الأربعاء 29 . 04 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
حين يكون اليوم العادي نعمة لا نراها
في زحمة الحياة وتسارع الأيام، كثيرًا ما نمرّ على تفاصيلنا اليومية مرور العابرين، دون أن نلتفت إلى ما تختزنه من نعم صامتة تستحق الامتنان. نستيقظ صباحًا، نحتسي قهوتنا، نؤدي أعمالنا المعتادة، نشتكي من الروتين، ونتذمر من هدوء الأيام ورتابتها، ظانّين أن الحياة الحقيقية تكمن فقط في الأحداث الكبرى والتحولات الصاخبة.
لكن ما إن تداهمنا خطوب الحياة، أو تطرق أبوابنا الأزمات والمحن، حتى نسترجع تلك الأيام العادية بحنين عميق، وندرك متأخرين أنها لم تكن عادية أبدًا، بل كانت نعمة مغلفة بالسكينة، وطمأنينة متنكرة في هيئة تفاصيل بسيطة لم نحسن تقديرها.
كم من إنسان كان يضجر من يومه الهادئ، ثم تمنى لاحقًا عودة ذلك الملل ذاته، حين أثقلته الهموم أو باغتته الخسارات. وكم من لحظة ظنناها مكررة وباهتة، اكتشفنا لاحقًا أنها كانت من أجمل ما مرّ بنا، لأنها كانت خالية من الألم، ممتلئة بالأمان، ومشبعة بالاستقرار.
إن الملل، في حقيقته، ليس صفة للأيام، بل هو شعور داخلي ينبع من الإنسان نفسه. فالأيام لا تحمل صفاتها معنا، بل نحن من نمنحها المعاني، ونحن من نلونها بمشاعرنا ونحدد إيقاعها. قد يعيش شخصان اليوم ذاته، فيراه أحدهما نعمة تستحق الشكر، بينما يراه الآخر عبئًا يستوجب التذمر.
ومن هنا، يظهر الرضا بوصفه سرّ الغنى الحقيقي، لا غنى المال أو المظاهر، بل غنى النفس القادرة على الامتنان، وعلى رؤية الجمال في البسيط، والنعمة في المألوف، والسكينة في العادي.
فالرضا ليس استسلامًا للواقع، بل وعي عميق بقيمة ما نملك، وإدراك أن السعادة لا تُؤجَّل إلى حين اكتمال الظروف، بل تُصنع من حسن النظر إلى الموجود، ومن الامتنان لصغير النعم قبل كبيرها.
إن الإنسان الممتن لا ينتظر المعجزات ليشعر بالسعادة، بل يلتقطها من تفاصيل يومه: من صحة لا يشكو منها، من بيت يأويه، من وجوه يحبها، من قلب ما زال قادرًا على الأمل، ومن صباح جديد يمنحه فرصة أخرى للحياة.
لعل أعظم ما نتعلمه من تقلبات الحياة، أن الأيام الهادئة ليست فراغًا مملًا كما نظن، بل هي فترات رحمة يمنحنا الله إياها لنلتقط أنفاسنا، ونستعيد توازننا، ونفهم أن السلام بحد ذاته نعمة لا تُقدَّر إلا حين نفتقدها.
في الختام وقبل السلام لا تؤجلوا الامتنان، ولا تستخفوا باليوم العادي، فقد يكون هو الحلم الذي ستتمنونه غدًا…
*سكرتير التحرير
بغداد /29. 04. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل