الرئيسية / مقالات / خزينة العراق : مدينة ” الاُلدُورادو ” المنهوبة ..

خزينة العراق : مدينة ” الاُلدُورادو ” المنهوبة ..

الأثنين 01 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

دعاء هزاع الجابري / اليمن 
في ” العراق ” لا تبدو الخزينة صندوقا سياديا تحفظ فيه الدولة قوت شعبها وكرامة حاضرها ومستقبل ابنائها ، بل مدينة معزولة عن الناس ، محاطة باسوار النفوذ ، ومزروعة بايدي الذين تعلموا كيف يحولون الوطن الى غنيمة والسلطة الى مائدة مفتوحة لا تنطفئ فوقها شهوة النهب 
فهناك ، في ذاك البلد الذي لا يراه الفقراء الا عبر نشرات الاخبار ، تختفي المليارات كما تختفي قطرة المطر في صحراء عطشى ، دون ان يترك اختفاؤها اثرا سوى المزيد من الارصفة الباردة والمستشفيات المنهكة والوجوه التي اكلها الانتظار ، وكأن المال العراقي لم يخلق ليبني وطنا بل ليستنزف في طقوس يومية تشبه الروتين المقدس لدى طبقة ادمنت التهام البلاد قطعة بعد اخرى ، حتى اصبح الفساد وظيفة غير معلنة ، واصبح اللص يرتدي ربطة عنق الوطن وهو يسرق قلبه علنا 
فان العراق الذي يطفو فوق بحار النفط ، يبدو كشيخ عظيم يملك كنوز الارض لكنه عاجز عن شراء الدواء لاطفاله ، ببلد تفتح فيها ابواب الصفقات اكثر مما تفتح ابواب المدارس ، وتمد فيها موائد الامتيازات للنافذين بينما يطلب من الفقراء ان يقتاتوا على الصبر ، وان يصفقوا لعبارة ” التضحية للوطن ” ، ويا لقسوة هذه العبارة حين تتحول الى سكين معنوي يذبح به البسطاء كل يوم ، فالوطن الذي يطلب من ابنائه التضحية المستمرة بينما تنهب خيراته امام اعينهم ، يتحول شيئا فشيئا من حضن جامع الى سؤال موجع : من يضحي لاجل من؟ ، وهل كتب على الفقير وحده ان يحمل الوطن فوق ظهره ، بينما يحمل الاخرون الوطن في حقائبهم الى المصارف البعيدة ؟ 
لقد أصبح العراقي البسيط اشبه بجندي مجهول في حرب لا تنتهي ، يدفع ثمنها من عمره وصحته وكرامته ، بينما يجلس سماسرة الخراب خلف مكاتب مكيفة يتبادلون الوطن كما تتبادل العقود والولاءات ، وحين يعلو صوت الجوع ، يقال له : اصبر ، وحين يطالب بحقوقه ، يقال له : الوطن يمر بظروف صعبة ، اما الذين جعلوا الوطن نفسه ظرفا للسرقة ، فلا احد يسالهم من اين جاءت القصور ولا كيف تضخمت الحسابات ولا لماذا بقي العراق رغم ثرواته يتكئ على وجع شعبه بدل ان يتكئ على مجده ، لذلك ان اكثر ما يوجع في مأساة العراق ليس ضياع المال وحده ، بل اعتياد الناس على فكرة ” الضياع ” ، بأن يصبح اختفاء المليارات خبرا عاديا ، وان تتحول الكارثة الى نشرة يومية لا توقظ الذهول ، فالفساد حين يطول لا يسرق الخزائن فقط ، بل يسرق الاحساس ايضا ، ويجعل الامة تتعايش مع نزيفها كانه قدر ابدي لا خلاص منه 
ومع ذلك سيبقى العراق اكبر من كل الذين نهبوه وتأمروا على خدلانه ، ينتظر جيلا يرى في الوطن رسالة لا صفقة ، وفي السلطة مسؤولية لا ميراثا ، وفي المال العام امانة لا غنيمة حرب ، وسيبقى التاريخ هناك دوما يذكرنا بأن الشعوب لا تسقط بسبب الفقر وحده ، بل بسبب اولئك الذين جعلوا من خزائنه مدينة ” اُلدُورادو ” خاصة بهم ، يبحرون اليها كل صباح ويعودون منها محملين بثروة وطن ترك شعبه وحيدا تحت شعار قديم ومتعب ، عنوانه ” التضحية للوطن ” .

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً