أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / اشارات للقرآن الكريم في محاضرات في أصول الفقه للشيخ محمد إسحاق الفياض (ح 3 )

اشارات للقرآن الكريم في محاضرات في أصول الفقه للشيخ محمد إسحاق الفياض (ح 3 )

الأحد 07 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف*

جاء في محاضرات في أصول الفقه الجزء 1 للشيخ محمد إسحاق الفياض: تصوير الجامع على الصحيح: أمّا الكلام في المقام الأوّل: فقد ذهب المحقق صاحب الكفاية قدس ‌سره إلى أنّ وجود الجامع بين الأفراد الصحيحة ممّا لا بدّ منه، وقد استدلّ على ذلك بقاعدة فلسفية وهي: أنّ الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد، إذ لا بدّ من السنخية بين العلّة ومعلولها، والواحد بما هو واحد لا يعقل مسانخته للكثير بما هو كثير، إذن لا بدّ من الالتزام بأنّ العلّة هو الجامع بين الكثير وهو أمر واحد، ثمّ طبّق “قدس ‌سره” هذه القاعدة على المقام بتقريب أنّ الأفراد الصحيحة من الصلاة مثلاً تشترك جميعها في أثر وحداني وهو النهي عن الفحشاء والمنكر بمقتضى قوله تعالى: “إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ” (العنكبوت 45) كما هي تشترك في أنّها عماد الدين ومعراج المؤمن، كما في عدّة من الروايات، ولا يعقل أن يكون المؤثر في ذلك الأثر الوحداني جميع الأفراد الصحيحة على كثرتها، لما عرفت من أنّ الواحد لا يسانخ الكثير، فلا محالة يستكشف كشفاً قطعياً عن وجود جامع وحداني بين تلك الأفراد الصحيحة يكون هو المؤثر في ذلك الأثر الوحداني، ومن هنا قال قدس ‌سره إنّ تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة بمكان من الامكان بل هو ضروري، دون الأعم لعدم تحقق صغرى هذه القاعدة على قول الأعمي وبدونها لا طريق لنا إلى كشف الجامع من ناحية اخرى.

وعن كيفية تأثير الصلاة في الانتهاء عن الفحشاء يقول المرجع الشيخ محمد اسحاق الفياض قدس سره: إذا لم يعقل جامع بين الأفراد الصحيحة فما هو المؤثر في النهي عن الفحشاء والمنكر؟ والجواب عنه: هو أنّ حديث كيفية تأثير الصلاة في الانتهاء عن الفحشاء والمنكر يمكن أن يكون بأحد وجهين: الأوّل: أنّ الصلاة باعتبار أجزائها المختلفة كمّاً وكيفاً، مشتملة على أرقى معاني العبودية والرقية، ولأجل ذلك تصرف النفس عن جملة من المنكرات وتؤثر في استعدادها، للانتهاء عنها من جهة مضادة كل جزء من أجزائها لمنكر خاص، فانّ المصلي الملتفت إلى وجود مبدأ ومعاد إذا قرأ قوله تعالى “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ” (الفاتحة 2) التفت إلى أنّ لهذه العوالم خالقاً هو ربّهم، وهو رحمن ورحيم، وإذا قرأ قوله تعالى “مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” (الفاتحة 4) التفت إلى أنّ الله يسأل عمّا ارتكبه من القبائح ويجازي عليه في ذلك اليوم، وإذا قرأ قوله تعالى “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” (الفاتحة 5) التفت إلى أنّ العبادة والاستعانة منحصرتان به تعالى وتقدس، ولا يصلح غيره للعبادة والاستعانة. وإذا قرأ “اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ” (الفاتحة 6-7) التفت إلى أنّ طائفة قد خالفوا الله وعصوه عناداً، ولأجله وقع عليهم غضبه تعالى وسخطه، أو أنّهم خالفوه بغير عناد فصاروا من الضالِّين. وهناك طائفة اخرى قد أطاعوا الله ورسوله فوقعوا في مورد نعمائه تعالى ورضاه، ففاتحة الكتاب بمجموع آياتها تكون عبرة وعظة للمصلين الملتفتين إلى معاني هذه الآيات، ثمّ إذا وصل المصلي إلى حدّ الركوع والسجود فركع ثمّ سجد، التفت إلى عظمة مقام ربّه الجليل، وأنّ العبد لا بدّ أن يكون في غاية تذلل وخضوع وخشوع إلى مقامه الأقدس، فانّهما حقيقة العبودية وأرقى معناها، ومن هنا كانت عباديتهما ذاتية. ومن هنا كان في الركوع والسجود مشقة على العرب في صدر الاسلام، فالتمسوا النبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله أن يرفع عنهم هذا التكليف ويأمرهم بما شاء، وذلك لتضادهما الكبر والنخوة، وبما أنّ الصلاة تتكرر في كل يوم وليلة عدّة مرّات، فالالتفات إلى معانيها في كل وقت أتى بها لا محالة تؤثر في النفس وتصرفها عن الفحشاء والمنكر. الثاني: أنّ الصلاة باعتبار أنّها مشروطة بعدّة شرائط فهي لا محالة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فانّ الالتزام باباحة المكان واللباس و بالطهارة من الحدث والخبث مثلاً، يصرف المكلف عن كثير من المحرمات الإلهية. وقد نقل عن بعض السلاطين أنّه كان يمتنع عن شرب الخمر لأجل الصلاة، وكيف ما كان فالصلاة باعتبار هاتين الجهتين ناهية عن عدّة من المنكرات لا محالة. فتلخّص: أنّ تأثير الصلاة في النهي عن الفحشاء باعتبار هاتين الجهتين واضح، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

وعن الصيام يقول المرجع الشيخ محمد اسحاق الفياض قدس سره: قوله تعالى: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ” (البقرة 183) فالمفهوم من كلمة الصيام عرفاً كف النفس عن الأكل والشرب، وهو معناه اللغوي، فالصيام بهذا المعنى كان ثابتاً في سائر الشرائع والأديان بقرينة قوله تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ” (البقرة 187) حيث لم يعتبر فيه سوى الكف عن الأكل والشرب عند تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. نعم، إنّ ذلك يختلف كيفيةً باختلاف الشرائع، ولكن كل ذلك الاختلاف يرجع إلى الخارج عن ماهية الصيام، بل قد يعتبر فيه كما في شرع الاسلام الكف عن عدّة أمور اخر أيضاً كالجماع و الارتماس في الماء والكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله وعلى الأئمة الأطهار عليهم السلام وإن لم يكن الكف عنها معتبراً في بقية الشرائع والأديان. وعلى ذلك فلو شككنا في اعتبار شيء في هذه الماهية قيداً، وعدم اعتباره كذلك، فلا مانع من أن نرجع إلى إطلاق قوله تعالى “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ” (البقرة 183) وبه يثبت عدم اعتباره، فحال الآية المباركة حال قوله تعالى: “وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ” (البقرة 175) و “تِجارَةً عَنْ تَراضٍ” (النساء 29) وما شاكلهما، فكما أنّه لا مانع من التمسك باطلاقهما في باب المعاملات عند الشك في اعتبار شيء فيها، فكذلك لا مانع من التمسك باطلاق هذه الآية المباركة في باب الصوم عند الشك في دخل شيء في صحّته شرعاً. هذا مضافاً إلى ما في السنّة من الروايات المطلقة الواردة في مقام البيان منها قوله عليه السلام في التشهد «يتشهد» فان مقتضى إطلاقه عدم اعتبار أمر زائد على نفس الشهادتين، فلو شكّ في اعتبار التوالي بينهما فيدفع بالإطلاق، وكذا غيره من نصوص الباب فلاحظ. هذا كلّه على تقدير تسليم أن يكون الضابط في كون المسألة اصولية ترتب ثمرة فعلية عليها، إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ الضابط للمسألة الاصولية إمكان وقوعها في طريق الاستنباط لا فعليته.

 *كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً