السبت 18 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
عندما نقرأ نصا، نفترض عادة أن وراءه صوتا واحدا متماسكا، ذاتا واحدة تتحدث من خلال الحروف كما تتحدث من خلال فيها. لكن هذا الافتراض، على بداهته الظاهرة، يتصدع أمام كتّاب اختاروا، بمحض إرادتهم، التنازل عن أسمائهم الحقيقية، أو أن يتقمصوا أسماء أخرى ويتواروا خلف هويات مصطنعة كاملة الملامح. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: من الذي يتكلم فعلا حين يوقّع نص باسم ليس اسم صاحبه؟ وهل القناع، في الكتابة، حجاب يخفي صوتا أصليا، أم أنه أحيانا الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها ذلك الصوت أن يظهر أصلا؟
سورن كيركغور لم يكتف بنشر جزء كبير من أعماله الفلسفية المبكرة تحت أسماء مستعارة، بل منح كل اسم من هذه الأسماء سيرة فكرية مستقلة، وأسلوبا في الكتابة يميزه، ورؤية للوجود قد تناقض رؤية اسم مستعار آخر من أسمائه هو نفسه. فـ”يوهانس الصامت” الذي وقّع “الخوف والرعشة” يتحدث بصوت مختلف تماما عن “يوهانس كليماكوس” الذي وقّع “شذرات فلسفية” و”ختام ملحوظة غير علمية”، وكلاهما يختلف بدوره عن الصوت الفلسفي المباشر الذي وقّع به كيركغور مؤلفاته الدينية باسمه الصريح. لم يكن هذا التعدد مجرد لعبة أدبية عابرة، بل استراتيجية فلسفية متعمدة، أراد كيركغور من خلالها أن يجسّد أطوارا وجودية متمايزة، الجمالي والأخلاقي والديني، بوصفها مواقف حية يتقمصها متحدث بعينه لا آراء مجردة يعرضها مؤلف واحد. القناع هنا لم يخف فكر صاحبه، بل مكّنه من أن يفكر بطرق متناقضة دون أن يطالَب بالدفاع عن اتساق منطقي لم يكن يطمح إليه أصلا.
الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، ذهب في هذا المسار إلى أقصاه. لم يكتف باختراع أسماء مستعارة بالمعنى المتعارف عليه، بل ابتكر ما أسماه هو نفسه “الأسماء الغيرية”، كتّاباً متخيَّلين يمتلك كل منهم تاريخ ميلاد وأسلوبا شعريا ومنظومة فكرية مستقلة تماما عن الأخرى، إلى درجة أن بعضهم كتب نقدا لبعضهم الآخر. ألبرتو كاييرو، الراعي الفيلسوف صاحب اليقين الحسي المباشر بالعالم، لا يشبه بأي حال ريكاردو رييس، الشاعر الرواقي المتأمل في الزمن والفناء، ولا يشبه ألفارو دي كامبوس، المهندس البحري ذا النزعة المستقبلية الصاخبة. والمفارقة أن هذه الأصوات المتعددة لم تكن، في تصور بيسوا نفسه، أقنعة يتخفى وراءها كاتب واحد، بل كانت أقرب إلى تشظٍّ حقيقي في الذات، وكأن الكتابة عنده لم تكن تعبيرا عن شخصية واحدة بقدر ما كانت فضاء تتزاحم فيه شخصيات متعددة، كل واحدة منها أصيلة بقدر أصالة الأخرى، دون أن يكون لأي منها الحق في ادعاء الأولوية على البقية.
وفي مثال أكثر التصاقا بالمكر الأدبي المتعمد، اختار الروائي الفرنسي رومان غاري، بعدما شعر أن النقاد الفرنسيين قد صنّفوه نهائيا في خانة أسلوبية ضيقة لا فكاك منها، أن يبتكر لنفسه هوية موازية باسم إميل أجار، وأن ينشر رواية جديدة كاملة الملامح الأسلوبية المغايرة. نجحت الخدعة إلى حد أن أكاديمية غونكور، التي كانت قد منحت غاري جائزتها باسمه الصريح عام 1956 عن روايته “جذور السماء”، منحت الجائزة نفسها عام 1975 لرواية “الحياة أمامك” الموقعة باسم أجار، غير عالمة أنها تكرّم الكاتب ذاته مرة ثانية رغم قانون الجائزة الصارم الذي يمنع ذلك صراحة. لم تُكشَف الحقيقة إلا بعد انتحار غاري عام 1980، حين أقرّ بنفسه، في نص نُشر بعد رحيله، أنه كان يقف وراء أجار طوال تلك السنوات، مستعينا بقريب له ليمثّل دور الكاتب المجهول أمام الصحافة. وهنا لم يكن القناع وسيلة للتحرر الوجودي كما عند كيركغور وبيسوا، بل أداة سخرية موجَّهة تحديدا إلى مؤسسة نقدية بعينها، أثبت من خلالها غاري أن الحكم الأدبي كثيرا ما ينصبّ على الاسم بقدر ما ينصبّ على النص ذاته.
وفي حالة معاصرة أقرب إلينا زمنيا، اختارت الروائية الإيطالية المعروفة باسم إيلينا فيرانتي أن تصون هويتها الحقيقية طي الكتمان التام رغم النجاح العالمي الساحق لرباعيتها الروائية “صديقتي المذهلة”. على خلاف الكتاب السابقين، لم تخترع فيرانتي كاتبا بديلا له ملامح مستقلة، بل اكتفت بمحو أثر المؤلفة الفعلية تماما، تاركة النص وحده في مواجهة قرّائه، بلا سيرة ذاتية تُقرأ الرواية على ضوئها، وبلا صورة تُختزل فيها شخصية الكاتبة. وقد صرّحت في رسائل نادرة نُشرت لاحقا بأن هذا الغياب المتعمد شرط ضروري لحريتها في الكتابة، إذ رأت أن حضور المؤلف الإعلامي يفرض على النص قيودا لا علاقة لها بجودته الأدبية. القناع هنا، على عكس الأمثلة السابقة، لا يضيف صوتا جديدا، بل يزيل صوتا كان يمكن أن يتقدم على النص نفسه ويحجب عنه فرصة أن يُقرأ بذاته.
يبدو، من مجموع هذه الأمثلة المتباينة زمنيا وثقافيا ومقصدا، أن القناع في الكتابة نادرا ما يكون خدعة محضة يمارسها كاتب على قرّائه. فهو إما وسيلة لتجسيد مواقف وجودية متعارضة دون أن يُختزل صاحبها في موقف واحد، أو اعتراف صادق بتعدد داخلي حقيقي يتجاوز حدود الهوية الفردية المألوفة، أو سلاح ساخر يفضح تحيّزات المؤسسات الأدبية ذاتها، أو درع يحمي النص من أن يُختزل في سيرة كاتبه. وفي كل هذه الحالات، لم يكن الاسم المستعار يُخفي الكاتب بقدر ما كان يعيد توزيع الحضور، حيث يتوارى الاسم المدني كي يتقدم صوت آخر، أكثر صدقا أحيانا من الاسم الأصلي نفسه، لأنه تحرر من ثقل السيرة الذاتية وتوقعات القرّاء المسبقة عن صاحبها.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل