الرئيسية / مقالات / أزمة سبتة وقودا للتحريض.. كيف استغلتها حسابات إسرائيلية ضد إسبانيا؟
مجموعة من الشبان المغاربة في أثناء محاولتهم العبور من بلدة الفنيدق شمال المغرب إلى سبتة يوم 31 يوليو/تموز 2026 (أسوشيتد برس)

أزمة سبتة وقودا للتحريض.. كيف استغلتها حسابات إسرائيلية ضد إسبانيا؟

الأحد 02 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

لم تمض ساعات على إعلان السلطات الإسبانية حالة الطوارئ في مدينة سبتة، إثر التدفق المفاجئ للمهاجرين، حتى سارعت مدريد إلى إرجاع الأزمة إلى شائعات مضللة نشرتها شبكات الاتجار بالبشر، قالت إنها استغلت حكما حديثا للمحكمة العليا الإسبانية لإيهام المهاجرين بإمكانية دخول المدينة والبقاء داخل الأراضي الإسبانية.

غير أن تتبع مسار المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي يكشف عن أن الأزمة لم تقتصر على شائعات الهجرة، فبالتزامن مع تصاعد الأحداث، تحولت أزمة الهجرة في سبتة إلى ساحة حرب معلوماتية، استغلتها حسابات إسرائيلية لتوجيه النقاش نحو قضايا الهجرة والأمن والسياسات الأوروبية، عبر تضخيم مقاطع متداولة وإعادة تأطيرها في سياقات سياسية وتحريضية.

ويشير تحليل نشاط هذه الحسابات إلى أنها لم تركز على نقل تطورات الأزمة، بقدر ما وظفتها لدعم سرديات تستهدف تأجيج الجدل داخل إسبانيا، مستفيدة من الزخم الذي أحدثه تدفق المهاجرين وسرعة انتشار المحتوى على المنصات.

في هذا التقرير، نتتبع كيف تحولت أزمة سبتة من حدث حدودي إلى ساحة لحملات التأثير الرقمي، وكيف استغلتها حسابات إسرائيلية للدفع بسرديات تتجاوز الحدث نفسه لتصفية حسابات قديمة مع إسبانيا جراء موقفها المختلف عن نظرائها الأوروبيين من تطورات القضية الفلسطينية خلال السنوات الماضية.

نشاط رقمي مكثف

رصدت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة نشاطا مكثفا لحسابات إسرائيلية معروفة وأخرى مجهولة الهوية، انخرطت في حملة رقمية موجهة لتضخيم الأحداث، تجاوزت نقل الأخبار إلى استخدام محتوى مرئي مولد بالذكاء الاصطناعي لتصوير المدينة في فوضى عارمة، بهدف شحن الرأي العام الأوروبي وتأجيج الخطاب المناهض للمهاجرين.

بين الفوضى الميدانية والتضليل الرقمي، يفتح هذا التقرير ملف الحملة الإسرائيلية، ليجيب عن السؤال الأبرز: هل تعكس هذه التحركات موقفا غير معلن لمعاقبة مدريد على خياراتها السياسية، لا سيما بشأن القضية الفلسطينية، أم أنها مجرد استغلال رقمي لإثارة الفوضى على هامش مأساة إنسانية؟

وسارعت ممثلة السفارة الإسرائيلية في مدريد، دانا إرليخ، إلى نشر بيان بالإسبانية والإنجليزية أكدت فيه أنها تتابع الوضع في سبتة عن كثب، مشددة على أن تصريحات دانون “لا تمثل الموقف الرسمي لدولة إسرائيل”.

مع تصاعد الجدل الرقمي، رصدت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة انتشارا مكثفا لخطاب إسرائيلي موحد عبر وسم “حرروا سبتة” (Free Ceuta)، الذي شاركت فيه عشرات الحسابات التي تحمل العلم الإسرائيلي في صورها الرمزية.

كما تكرر مصطلح “غزو” في وصف تدفق المهاجرين، في محاولة لاستحضار مفردات مشابهة لتلك المستخدمة في الخطاب الأوروبي المناهض للهجرة.

اللافت أن هذا الخطاب الساخر من “حل الدولتين” لم يقتصر على حسابات مجهولة أو أخرى معروفة بمشاركتها المعتادة في الحملات الإسرائيلية، بل تبنّاه أيضا مسؤول الإعلام الرقمي السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حنانيا نفتالي، في تغريدة أعلن فيها “دعمه لحل الدولتين في إسبانيا”: دولة سيادية لإسبانيا، وأخرى لما وصفهم بـ”المهاجرين المسالمين”.

ومنحت مشاركة نفتالي -بحكم موقعه المقرب من نتنياهو، وكونه أحد أبرز المؤثرين الإسرائيليين في توجيه الرأي العام الغربي والدولي عبر منصات التواصل- الحملة بعدا إضافيا، إذ تجاوزت بذلك الحسابات المشبوهة لتصل إلى شخصيات ذات صلة مباشرة بدوائر صنع القرار الإسرائيلي.

عناصر بصرية متكررة

إلى جانب النصوص، تداولت الحسابات ذاتها خريطة موحدة نشرت على نطاق واسع، ترافقت في بعض المنشورات مع دعوات صريحة لـ”تحرير الأندلس” وتسليم ما وصفت بـ”الأراضي المحتلة” للعرب المسلمين، في خطاب حاول قلب سردية الاحتلال وتوجيهها ضد إسبانيا.

الأبرز في هذه الموجة كان منشورا مطولا نشره الباحث الإسرائيلي إيدي كوهين، حيث ربط بشكل مباشر بين أزمة سبتة ومشهد سابق من مهرجان “سان فرمين” في بلدة بامبلونا الإسبانية، حين رفع مشاركون إسبان لافتة كبيرة تدعو إلى “تدمير إسرائيل” خلال فعاليات المهرجان.

ولاقى المنشور تفاعلا واسعا، إذ أعاد الحساب الإسرائيلي غير الرسمي (Mossad International) مشاركته مرفقا بعبارة توحي بأن إسرائيل كانت “تراقب المشهد” وأن “الوقت حان لتدفع إسبانيا الثمن”.

وأشارت إلى أن “للضعف عواقب، وللخيانة ثمنا”، في تأطير يختصر الخطاب الذي تكرر في عشرات المنشورات المماثلة: أن ما تشهده إسبانيا هو “ثمن مواقفها السياسية” لا أزمة إنسانية مستقلة عنها.

لم يقتصر الأمر على التغريدات والخرائط والمنشورات النصية، إذ ساهمت حسابات إسرائيلية في الترويج لمشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي، حصدت أكثر من 15 مليون مشاهدة.

المصدر الأول لهذه المشاهد كان حساب “Dr. Clown, PhD”، وهو حساب ساخر ذو طابع سياسي، يركز على ما يصفه بنقد “العالم المهرج” من منظور معاد للهجرة الجماعية والسياسات اليسارية والتقدمية بشكل عام.

كما أن موقف الحساب الحالي من الأزمة الإسبانية ينسجم مع هذا التوجه، إذ يصور تعامل الحكومة الإسبانية مع ملف سبتة بوصفه “ضعفا خطيرا”.

وصورت المشاهد المتداولة، التي أنتجها الحساب بالذكاء الاصطناعي، مشهدا يوحي بإهمال السلطات الإسبانية في التصدي لتدفق المهاجرين وتهاون عناصر الشرطة في التعامل مع الوضع، إلى جانب لقطات ساخرة استهدفت رئيس الوزراء بيدرو سانشيز شخصيا.

وسرعان ما أعادت حسابات إسرائيلية نشر هذه المشاهد، مرفقة بتعليقات عكست تباينا في نبرة التفاعل بحسب خلفية كل حساب: من تعليقات عبرية شامتة، إلى تعليقات بلغات أخرى ربطت المشهد بظواهر مشابهة في سياقات منعزلة.

ويكشف التدقيق في الحسابات المشاركة في الحملة عن مزيج من فئتين رئيسيتين: الأولى تضم حسابات معروفة الهوية، بعضها لشخصيات إسرائيلية ذات حضور إعلامي وسياسي، إلى جانب حسابات مؤيدة، تحمل العلم الإسرائيلي وأسماء ذات دلالة أيديولوجية واضحة، مثل حساب (Lions of Zion).

أما الفئة الثانية فتضم حسابات أقل شهرة، لكنها متماثلة في نمط النشر واستخدام الوسم ذاته والصياغات المتقاربة، مما يوحي بوجود تنسيق أو تناغم في توقيت النشر وصياغة الرسائل، ويرجح بشدة وجود تنسيق مركزي خلف هذا التناغم.

تحليل نمط المحتوى

في حين، يتكئ المحتوى المتداول على 3 ركائز خطابية متكررة، الأولى: قلب السردية واستعارة مصطلحات “الاحتلال” و”التحرير” و”حل الدولتين” المرتبطة بالسياق الفلسطيني وتوجيهها ضد إسبانيا بشكل تحريضي وساخر.

أما الثانية فتتعلق بتأطير الأزمة كـ”عقاب” أو “قصاص” رمزي، عبر الربط المتعمد بين موقف إسبانيا من القضية الفلسطينية وما تشهده من أزمة هجرة، في محاولة لتصوير الحدثين كأنهما مرتبطان سببيا.

أما الخطاب الثالث فيتعلق بتوظيف الرمزية التاريخية مثل “محاكم التفتيش، طرد اليهود” لإضفاء طابع “تاريخي” على الخطاب المتداول، مما يمنح المحتوى قابلية أكبر للانتشار العاطفي بين الجمهور.

وبين تصريحات دبلوماسية رسمية، وحملة رقمية منسقة بلغات متعددة، ومشاهد مصطنعة بالذكاء الاصطناعي، يتضح أن أزمة سبتة الإنسانية تحولت خلال ساعات إلى ساحة اختبار جديدة لحدود التضليل الرقمي وتوظيف الخطاب السياسي في تصفية حسابات إقليمية أوسع.

المصدر: الجزيرة مواقع التواصل الاجتماعي

 *****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً