الرئيسية / مقالات / بين البحر والسياج: حين تصبح الحدود مرآة لأزمة أعمق

بين البحر والسياج: حين تصبح الحدود مرآة لأزمة أعمق

الأحد 02 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي / المغرب

في كل مرة تتحول فيها سبتة إلى عنوان رئيس في نشرات الأخبار، تتكرر اللغة ذاتها تقريبًا. تتحدث الحكومات عن “اختراق الحدود”، وتناقش وسائل الإعلام أعداد المهاجرين، وتستدعى مفردات الأمن والسيادة والتهريب، ثم ينتهي كل شيء بإعادة قسم كبير من العابرين إلى الضفة التي جاؤوا منها. وبعد أيام تخفت الضجة، لكن السؤال الحقيقي يبقى معلقا: ماذا حدث فعلا؟

إن ما شهدته سبتة في الأيام الأخيرة، من تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص خلال فترة زمنية قصيرة، وسقوط عشرات الضحايا، واستنفار إسباني وأوروبي واسع، لا يمكن اختزاله في حادث حدودي أو أزمة أمنية عابرة. فالأحداث، على ضخامتها، ليست سوى السطح المرئي لتحولات أعمق تتراكم منذ سنوات داخل المجتمع، وفي علاقة الضفتين المتوسطيتين ببعضهما، وفي طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي الذي يحكم حركة البشر أكثر مما يحكم حركة السلع ورؤوس الأموال. وقد أكدت التقارير الأولية أن الأزمة نتجت عن تداخل عوامل متعددة، منها الظروف الاقتصادية، وانتشار معلومات مضللة عبر وسائل التواصل، مع استمرار الجدل حول الأبعاد السياسية والدبلوماسية للحدث، من دون وجود تفسير أحادي يحظى بإجماع.

غير أن الاقتصار على هذا المستوى من التفسير يجعلنا نقرأ النتيجة ونغفل الأسباب. فالهجرة الجماعية لا تبدأ عند السياج الحدودي، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ في المدرسة التي لم تعد تقنع الشاب بأن التعليم يغير مصيره، وفي سوق العمل الذي لا يفتح أمامه أفقًا للاستقرار، وفي المدينة التي يتراجع فيها الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر. إن الحدود ليست نقطة البداية، بل آخر محطة في سلسلة طويلة من الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية. وليس من قبيل المصادفة أن يكون معظم المشاركين في هذه الموجة من الشباب. فهذه الفئة هي الأكثر حساسية تجاه فكرة المستقبل، والأسرع استجابة لأي وعد بالخروج من دائرة الانتظار. لكنها أيضا الفئة التي تعيش التناقض الأكبر. فهي أكثر اتصالا بالعالم عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل، وأكثر قدرة على رؤية مستويات العيش في الضفة الأوروبية، وفي الوقت نفسه الأقل قدرة على بلوغها. وهكذا ينشأ نوع جديد من الإحباط، لا ينتج عن الفقر وحده، بل عن المقارنة اليومية بين ما يراه الإنسان وما يستطيع الوصول إليه.

لقد غيرت الثورة الرقمية طبيعة الهجرة نفسها. ففي العقود الماضية، كان قرار الرحيل يُبنى غالبا على تجربة قريب أو جار عاد من الخارج، أو على روايات تنتقل شفهيًا بين الناس. أما اليوم، فإن القرار قد يتشكل خلال ساعات قليلة عبر مقطع مصور أو إشاعة تنتشر على منصة اجتماعية. وتشير التقارير إلى أن شائعات واسعة الانتشار، تحدثت عن صعوبة إعادة من يصل إلى سبتة بعد حكم قضائي إسباني، لعبت دورا مهما في تشجيع آلاف الأشخاص على خوض المغامرة، رغم أن السلطات الإسبانية سارعت إلى نفي هذه التأويلات، وأعادت أعدادا كبيرة خلال وقت وجيز. لكن إرجاع ما حدث إلى “الإشاعة” وحدها لا يفسر شيئا. فالإشاعة لا تصنع حركة جماعية بهذا الحجم إلا إذا وجدت استعدادا نفسيا واجتماعيا سابقا لتصديقها. ولو كان الأفق مفتوحا أمام هؤلاء الشباب داخل مجتمعاتهم، لما كانت رواية متداولة على شبكة اجتماعية كافية لدفعهم إلى تعريض حياتهم للغرق أو للمواجهة مع الحدود.
إن الشائعة لا تخلق الرغبة، بل تستثمرها، ومن هنا يبدأ البعد الاقتصادي للأزمة. فحين يعجز الاقتصاد عن تحويل النمو إلى فرص، ويتحول العمل المستقر إلى استثناء، يصبح الرحيل مشروعا اقتصاديا أكثر منه قرارا فرديا. ولا يعود السؤال: “هل أهاجر؟” بل: “متى وكيف؟”. إن الهجرة، في هذه الحالة، ليست رفضا للوطن، بل محاولة للعثور على شروط حياة يعتقد الفرد أنها لم تعد ممكنة داخله.
الاقتصاد وحده لا يكفي لفهم ما جرى. فسبتة ليست مدينة حدودية عادية، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها أسئلة السيادة والتاريخ والهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية والسياسات الأوروبية تجاه جنوب المتوسط. ولهذا فإن كل أزمة تقع هناك تتجاوز حجمها المحلي، لتصبح موضوعا أوروبيا ودوليا. وقد أعادت الموجة الأخيرة فتح النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول أمن الحدود، وسياسات الهجرة، والعلاقة مع المغرب، كما دفعت مدريد إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في المدينة، ومع ذلك، فإن القراءة السياسية تصبح قاصرة إذا اختزلت كل شيء في لعبة الدول. فحتى لو ثبت أن للتوترات الدبلوماسية أثرا في تسهيل الأزمة أو تعقيدها، فإنها لا تفسر استعداد آلاف البشر للمخاطرة بحياتهم. فالسياسة قد تحدد توقيت الانفجار، لكنها لا تصنع مادته الأولية. وهذه المادة هي الإنسان الذي فقد، بدرجات متفاوتة، ثقته بأن الزمن يعمل لصالحه.

عند هذه النقطة، يتجاوز الحدث بعده السياسي والاقتصادي، ليصبح سؤالا حضاريا. فالمشهد الذي رأيناه في سبتة لم يكن مجرد حشود تتجه نحو الحدود، بل كان تعبيرا عن تحول عميق في تصور الإنسان لمستقبله. حين يصبح البحر أقل رعبا من البقاء، وحين تبدو الأسلاك الشائكة أهون من الإقامة في المكان، فإننا نكون أمام أزمة في معنى الأمل نفسه. ولعل أخطر ما تكشفه هذه الأحداث أنها لا تعبر عن انهيار الدولة بقدر ما تعبر عن تآكل الثقة بين الإنسان والمستقبل. فالإنسان لا يغامر بحياته لأنه لا يخاف الموت، بل لأنه أصبح يخشى الحياة التي تنتظره أكثر مما يخشى البحر. لتنتقل الأزمة من مستوى السياسات العامة إلى مستوى الوعي الجمعي، حيث لا يعود فقدان الثقة ظاهرة نفسية فردية، بل يتحول إلى خبرة اجتماعية مشتركة تتغذى من البطالة، ومن الإحساس بانسداد الأفق، ومن الاعتقاد المتزايد بأن الجهد الشخصي لم يعد كافيا لتغيير المصير.
لهذا السبب، فإن معالجة ما وقع في سبتة لا يمكن أن تقتصر على تعزيز المراقبة الحدودية أو تشديد الإجراءات الأمنية. فهذه التدابير قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تزيل أسبابها. إن الحدود تستطيع أن تمنع العبور في يوم معين، لكنها لا تستطيع أن تمنع ولادة الرغبة في العبور ما دامت الشروط التي تنتجها قائمة.

لقد كانت سبتة وستبقى، في ظاهرها، أزمة حدود. لكنها، في جوهرها، اختبار قاسي لمدى قدرة مجتمعات الجنوب على الاحتفاظ بإيمان شبابها بالمستقبل، واختبارا مماثلا لقدرة أوروبا على التعامل مع الهجرة باعتبارها قضية تنموية وحضارية، لا مجرد ملف أمني. وبين الضفتين، بقي الإنسان هو الحلقة الأضعف؛ يحمل على كتفيه أعباء السياسة، واختلالات الاقتصاد، وأوهام شبكات التواصل، بينما يبحث، في نهاية المطاف، عن شيء يبدو بسيطا في لغته، بالغ التعقيد في تحقيقه: فرصة لحياة يراها جديرة بأن تعاش!

 *****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً