الأربعاء 26 . 08 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
أكد أساتذة جامعات وباحثون، خلال ندوة علمية خُصصت لبحث فكر وإرث ابن سينا العلمي، أن أفكار الفيلسوف والطبيب الإيراني ما زالت تحتفظ بحيويتها وقدرتها على الإسهام في معالجة قضايا معاصرة تتصل بالفلسفة والطب والأخلاق ونظرية المعرفة والثقافة.
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن المشاركين أشاروا إلى أن ابن سينا لا يمكن اختزاله في كونه فيلسوفاً أو طبيباً فحسب، بل يُعد مفكراً موسوعياً نجح في إقامة جسور بين مختلف فروع المعرفة، وهو ما منح تراثه طابعاً عالمياً يتجاوز حدود الزمان والمكان.
الحب في فكر ابن سينا.. من النعمة الإلهية إلى العشق المرضي
وأوضح محمد سعيدي مهر، أستاذ جامعة «تربيت مدرس»، أن الحب يمثل قضية إنسانية مركزية شغلت مختلف الثقافات والعصور، مشيراً إلى حضوره العميق في الأدب الفارسي، ولا سيما الأدب العرفاني.
وأضاف أن ابن سينا تناول مفهوم الحب من زاويتين فلسفية وطبية؛ ففي رسالته «في العشق» نظر إليه بوصفه قوة سارية في مراتب الوجود كافة، لا تقتصر على الإنسان وحده، بل تمتد إلى مختلف الكائنات ومظاهر الوجود. كما ربط الحب بمفاهيم الكمال والجمال والحسن، معتبراً إياه قوة دافعة نحو الاكتمال.
وبيّن أن ابن سينا يميز بين الحب الفطري والحب الاختياري المرتبط بالإرادة والعقل، ويرى أن الحب المعتدل يمكن أن يكون وسيلة لارتقاء الإنسان، في حين أن الحب المفرط الذي يفقد الإنسان توازنه العقلي يتحول إلى حالة مرضية تستوجب العلاج، وهو ما تناوله في كتاب «القانون».
فلسفة الثقافة ومنطق الحياة العملية
من جانبه، رأى حسين هوشنكي، الأستاذ في جامعة الإمام الصادق (ع)، أن فهم فلسفة الثقافة لدى ابن سينا يقتضي العودة إلى مفهوم «المنطق العملي» في مشروعه الفكري، حيث لا تقتصر دراسة المنطق على البنية الشكلية للأفكار، بل تشمل أيضاً مضامينها وصلتها بالحياة الاجتماعية والعملية.
وأوضح أن مفهوم «المشهورات» في المنطق السينوي، أي القضايا التي يتفق عليها العقلاء، يتيح فهماً أعمق لكيفية تشكل القيم والمعتقدات المشتركة داخل المجتمع، ما يمنح فلسفة ابن سينا بعداً ثقافياً واجتماعياً يتجاوز الإطار النظري المجرد.
ابن سينا نموذج للفضيلة المعرفية
بدوره، أكد رضا أكبري، أستاذ جامعة الإمام الصادق (ع)، أن فكر ابن سينا يقدم نموذجاً متكاملاً لما يعرف اليوم بـ«الفضيلة المعرفية»، حيث لا يُنظر إلى تحصيل العلم بوصفه نشاطاً ذهنياً فحسب، بل باعتباره عملية لبناء شخصية معرفية تتسم بالمسؤولية الفكرية والتواضع والانفتاح الذهني والاستقلال في التفكير.
وأضاف أن ابن سينا شدد على ضرورة التمييز بين الملاحظة والاستدلال والتصور والتصديق، وعلى أهمية تنظيم القدرات العقلية واستخدام كل منها في موضعها الصحيح للوصول إلى معرفة راسخة. كما لفت إلى أن الثقة بالآخرين تمثل جزءاً أساسياً من عملية إنتاج المعرفة، شرط ألا تتحول إلى تبعية تلغي الاستقلال الفكري.
وأشار أكبري إلى أن الإرث الفكري لابن سينا يمتلك بعداً عالمياً، ويمكن أن يشكل أرضية لتعزيز التعاون العلمي الدولي، وجعل همدان مركزاً للحوار العلمي والدبلوماسية المعرفية.
«القانون».. نموذج لبناء المعرفة الطبية
وفي محور آخر من الندوة، تناول حامد رضائي، أستاذ جامعة الإمام الصادق (ع)، البنية العلمية لكتاب «القانون في الطب»، مؤكداً أن تأثير هذا العمل تجاوز العالم الإسلامي ووصل إلى أوروبا وشرق آسيا، حيث تُظهر الدراسات الحديثة امتداد حضوره إلى الصين واليابان وكوريا.
وأوضح أن «القانون» يمثل نموذجاً متكاملاً لتنظيم المعرفة الطبية، إذ قسّم ابن سينا الكتاب إلى خمسة أقسام تشمل أصول الطب، والأدوية المفردة، وأمراض الأعضاء، والأمراض العامة، والأدوية المركبة. كما حرص على ربط التشخيص والعلاج بفهم دقيق لبنية الجسم ووظائف الأعضاء وأسباب الأمراض.
وأضاف أن الكتاب يكشف عن التأثير العميق للفلسفة في منهج ابن سينا الطبي، خاصة في مباحث السببية والتفسير العلمي، كما يتضمن رؤى منهجية متقدمة في دراسة الأدوية وطرق اختبارها وتقييمها.
إرث يتجاوز الماضي
وخلص المشاركون إلى أن أهمية ابن سينا لا تكمن في مكانته التاريخية فحسب، بل في قدرة أفكاره على تقديم مقاربات جديدة لقضايا معاصرة تتعلق بالأخلاق العلمية، واكتساب المعرفة، والحوار بين التخصصات المختلفة. وأكدوا أن إعادة قراءة تراثه يمكن أن تسهم في وصل تاريخ العلم باحتياجات الحاضر، وتحويل إرثه من مناسبة للاحتفاء التاريخي إلى مشروع علمي وثقافي متجدد.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل



