الرئيسية / مقالات / أحاديث نبوية متداولة في مصادر أتباع أهل البيت (ح 108)

أحاديث نبوية متداولة في مصادر أتباع أهل البيت (ح 108)

السبت 29 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف*

2301- جاء في کتاب الحديث النبوي بين الرواية والدراية للشيخ جعفر السبحاني: ظهر التجسيم والتشبيه في المروّيات عنه نذكر منها ما يلي: الحديث الاَوّل: أخرج مسلم، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: قام فينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بخمس كلمات فقال: إنّاللّه عزّوجلّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ـ وفي رواية أبي بكر: (حجابه) النار لو كشفه لاَحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه. صحيح مسلم:1 / 111، باب في قوله عليه السلام: إنّ اللّه لا ينام و في قوله: حجابه النور لو كشفه لاَحرق سُبُحاتُ وجهه. قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: فالسُّبُحاتُ (بضم السين والباء ورفع التاء في آخره) جمع سُبحة، قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاوَه. وأمّا الحجاب (الذي يشير إلى قوله: حجابه النور أو النار) فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنّما تكون للاَجسام المحدودة، واللّه تعالى منزّه عن الجسم والحد.والمراد هنا المانع من روَيته، وسمي ذلك المانع نوراً أو ناراً لاَنّهما يمنعان من الاِدراك في العادة لشعاعها. والمراد من الوجه الذات، والمراد بـ (ما انتهى إليه بصره من خلقه) جميع المخلوقات، لاَنّ بصره سبحانه و تعالى محيط بجميع الكائنات. ولفظة (من) لبيان الجنس لا للتبعيض والتقدير لو أزال المانع من روَيته وهو الحجاب المسمى نوراً أو ناراً وتجلّـى لخلقه لاَحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. ولنا مع هذا الحديث وتفسيره وقفة: أوّلاً: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكلّم الناس على قدر عقولهم شأن كلّنبي، فهذه التأويلات التي ارتكبها الشارح مفاهيم لا يقف عليها إلاّ من توغّل في العلوم العقلية، وليس المخاطب إلاّ نظراء أبي موسى، فأين هوَلاء من هذه التأويلات؟ ثانياً: انّ السُّبحة في اللغة تعني الدعاء، قال في اللسان: سميت الصلاة تسبيحاً، لاَنّ التسبيح تعظيم للّه وتنزيهه عن كلّ سوء وتفسيره بنور اللّه ووجهه وبهائه شيء لا تدل عليها مادة الكلمة، وإنّما جرّهم إلى ذلك التفسير لاَجل جعل الرواية ذات مفهوم صحيح. ونقل ابن الجوزي عن أبي عبيدة: لم نسمع السُّبُحات إلاّ في هذا الحديث. ويظهر من المقاييس: انّه ليس لتلك المادة إلاّ معنيان، أحدهما جنس من العبادة والآخر جنس من السعي، فالاَوّل السُّبحة ومن هذا الباب التسبيح، وهو تنزيه اللّه جلّ ثناوَه عن كلّ سوء، وعلى ذلك فتفسير السبحة بالاَنوار لا دليل عليه في اللغة. ثالثاً: انّ المتبادر من قوله من خلقه انّ (من) للتبعيض بشهادة قوله: (انتهى إليه بصره) فيكون خلقه أوسع من نور بصره. وأنت إذا عرضت هذا الحديث على عربي صميم لم يشب ذهنه بهذه المعارف، لفسَّر الحديث على وجه يلازم التجسيم، وليس في الحديث قرينة على التأويل، وإلاّ لكان التأويل مقدماً على غيره. الحديث الثاني: أخرج الاِمام أحمد، عن أبي موسى الاَشعري: قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: يجمع اللّه عزّوجلّ الاَُمم في صعيد يوم القيامة، فإذا بدا للّه عزّوجلّ أن يصدع بين خلقه مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يُقحمونهم النار، ثمّ يأتينا ربّنا عزّ وجلّ، ونحن على مكان رفيع فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون، فيقول ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربّنا عزّ وجلّ، قال: فيقول: وهل تعرفونه إنْ رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعم انّه لا عدل له، فيتجلّى لنا ضاحكاً، فيقول: أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً. ورواه مسلم في صحيحه، باب معرفة طريق الروَية، بغير هذا اللفظ عن أبي هريرة. وهذا الحديث يثير تساوَلات كثيرة. الاَوّل: إنّ لازم قوله: (مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتّى يقحمونهم النار ثمّ يأتينا ربّنا عزّوجلّ) عدم وجود أيّ موحد يوَمن باللّه الواحد وينكر عبادة الاَوثان في الاَُمم السالفة، وهذا على خلاف الضرورة وصريح القرآن الكريم، فها هو يقول في حقّ نوح: “وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّقَلِيلٌ” (هود 40) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجود الصالحين في الاَُمم السالفة. الثاني: انّ قوله: (ثم يأتينا ربّنا ونحن على مكان رفيع) حاك عن ثبوت الحركة للّه سبحانه، بشهادة قوله: ونحن على مكان رفيع. الثالث: انّ قوله: (من أنتم؟) أو قوله: (ما تنتظرون؟) أو قوله:(وهل تعرفونه ان رأيتموه؟) حاك عن تكلّمه سبحانه تكلّماً حسياً. الرابع: انّه سبحانه يسألهم عن أنّهم هل يعرفون ربّهم، وهم يجيبون بقولهم: نعم، ثمّ يسألهم عن السمات التي يعرفون بها ربّهم، ويقول: (كيف تعرفونه ولم تروه؟) فيجيبون بسمة كلّية لا صلة لها بمعرفة الربّ معرفة شخصية، حيث يقولون(نعم انّه لا عدل له) فانّ وصفه بعدم العدل والندّ له، لا يكون علامة وسمة للمعرفة الشخصية. الخامس: انّ قوله فيتجلّـى لنا ضاحكاً، صريح في الجسم والجسمانية، وانّ له سبحانه ضحكاً حسياً. السادس: انّ قوله: (أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً، ينافي قوله سبحانه: “فَاليَوم لا يُوَخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا” (الحديد 15) والآية وإن كانت تخاطب المنافقين والكافرين، ولكن المورد غير مخصص، فانّ عدم أخذ الفدية لاَجل انّه يخالف عدله سبحانه. وبعبارة أُخرى: انّ اليهود والنصارى إن كانوا مستحقين للدخول في النار، فهم يدخلونها لاَعمالهم الشريرة، لا لاَن يحلّوا مكان المسلمين، وإن لم يكونوا مستحقين للدخول في النار فملء الجحيم بهم يستلزم أخذ البريء بجرم المذنب واللّه سبحانه يقول: “وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى” (الاَنعام 164). وبمقارنة هذا الحديث مع ما رواه أبو هريرة في هذا المجال، يعلم مدى الاختلاف الفاحش بين الروايتين، والظاهر انّهما رواية واحدة نقلت بصورتين مختلفتين. أخرج مسلم عن أبي هريرة انّه قال: كذلك يجمع اللّه الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الاَُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّه تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم. فبالمقارنة بين الحديثين يعلم مدى التحريف الطارىَ على الرواية من أحد الجانبين، مثلاً انّ الرواية الاَُولى: (رواية أبي موسى) تصرّح بأنّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين حيث قال: (فنقول نحن المسلمون) ويتجلى لهم، امّا الرواية الثانية (رواية أبي هريرة) فاللّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين مع ما فيهم من المنافقين ويتجلّى للجميع. وعلى كلّ تقدير سواء أكانتا رواية واحدة، أو كانتا روايتين فكلتاهما من الروايات المدسوسةمن قِبل أهل الجعل والوضع والتحريف.

2302- عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن النبي صلّى الله عليه وآله، أنّ أعرابيّاً أتاه فقال: يا رسول الله، إنّي كنت رجلاً ذكوراً فصرت منساءاً؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: لعلّك اعتدت القائلة فتركتها؟ قال: نعم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: فعد يرجع إليك حفظك إن شاء الله.

2303- يقول الشيخ حسين الخشن: من علامات الاستفهام الكبيرة التي تواجهنا في المقام، ولا نجد جواباً مقنعاً عليها: ما يظهر من كلام السيدة عائشة – فيما نقلته الروايات عنها – من أنّها قد أُخِذَت  على حين غرّة، ودُفعت الى زوجها (رسول الله) دون أن تُستأذن، بل دون أن تعرف ما يُراد بها، فهي في مكّة طفلة صغيرة (بنت ستّ سنين) يزوّجها أبوها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم دون أن تعي معنى الزواج بمقتضى عمرها، وفي المدينة المنوّرة تأخذها أمّها وهي بنت تسع، بالطريقة المُشار إليها، لتسلّمها لزوجها دون معرفة مسبقة منها بالأمر الذي سيقت إليه، ولذا اعتراها الذهول والدهشة عندما أُدخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والسؤال هنا: كيف يتلاءم ذلك مع ما نصّت عليه تعاليم الإسلام، وتوجيهات النّبي حول ضرورة استئذان البنت البكر في أمر الزواج، ففي الحديث المروي في الصحاح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تُنكح الأيّم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن، قالوا يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت)؟. وربّما يُلاحظ على هذا التساؤل بملاحظتَيْن: الأولى: إنّ ما أصابها من ذهول، إنّما يكشف عن جهلها بما هي صائرة إليه حين إدخالها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنّ ذلك لا يعني أنّها كانت لا تعرف إلى ذلك الحين بكونها زوجة للنبي، وأنّها ستُزفّ إليه في وقتٍ ما، قريباً كان أو بعيداً، ومن المستبعد جداً أن لا يكون ذووها قد أطلعوها على هذا الأمر وهيؤوها له. وتعليقنا على ذلك هو أنّ سياق الرواية المروية عن السيدة عائشة لا يوحي بأنها قد استُئذنت بالمعنى المراد للاستئذان في المقام، لأنّها حدّثتنا في تلك الرواية عن كلّ التفاصيل المرتبطة بزواجها برسول الله، منذ أن جاءت إليه خولة بنت حكيم، وعرضت عليه فكرة الزواج، وإلى أن (زُفّت) إليه بالصورة المشار إليها، فلو أنّها قد أُعلمت بهذا الأمر وأُخذ رأيها فيه، أو هُيّأت له، لذكرت ذلك وأشارت إليه. الثانية: إنّ وجوب استئذان الباكر إنّما هو في البالغة، وأمّا الصغيرة فأمرها إلى وليها وهو الأب أو الجد للأب، والسيدة عائشة إنّما لم تُستأذن، لأنّها كانت صغيرة، فقد زُوّجت وهي في السادسة من عمرها، والذي زوّجها هو وليّها الشرعي وهو أبوها أبو بكر. وتعليقنا على ذلك: بأنّ استئذان الزوجة لا بدّ منه على كلّ حال، فإن كانت بالغة فتُستأذن قبيل العقد، وإن كانت صغيرة فتُستأذن أو تستأمر بعد البلوغ، بمعنى أنّه لو زوّجها الولي، فعليه أن يجعل لها الخيار في إمضاء العقد أو فسخه بعد بلوغها، (لما رُويَ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوّج أمامة بنت حمزة – وهي صغيرة – وجعل لها الخيار إذا بلغت)، وليس في الروايات ما يشير إلى أنّ أبا بكر جعل لابنته الخيار في عقد الزواج، أو أنّها خُيّرت حين الزفاف، واحتمال أنّها خُيّرت لكنّها لم تذكر ذلك مستبعد جداً، بلحاظ ما نعرفه من سيرة السيدة عائشة، فقد اعتادت أن تحـدّث بمثـل هـذه الأمور، كما أنّ احتمال أنّ في الأمر خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيد هو الآخر، لأنّه لو كان كذلك لأشير إليه في النصوص أيضاً، كما أُشير إلى سائر خصائصه في أمر الزواج أو الطلاق.

*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً