أخبار عاجلة
الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / الحرب العالمية الثالثة.. هل يعيش العالم لحظة 1914 من جديد؟
الكاتب: العالم المعاصر لا يعيش حربا واحدة بل مجموعة من الأزمات المتزامنة (الجزيرة)

الحرب العالمية الثالثة.. هل يعيش العالم لحظة 1914 من جديد؟

السبت 26 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

  • عالم على حافة الحرب الكبرى: هل يعيد التاريخ نفسه؟

لم تبدأ الحرب العالمية الأولى لأن القوى الأوروبية قررت، في لحظة واحدة، خوض حرب عالمية. لم يجتمع قادة أوروبا في صيف 1914 ليختاروا الكارثة التي ستودي بحياة الملايين، وتسقط إمبراطوريات، وتغير خريطة العالم. بدأت الأزمة باغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند في سراييفو، ثم تحركت منظومة معقدة من التحالفات والمخاوف والحسابات العسكرية والطموحات الإمبراطورية، فتحولت أزمة محلية في البلقان إلى حرب عالمية.

وهذا تحديدا ما يجعل عام 1914 حاضرا بقوة كلما نظرنا إلى اضطرابات النظام الدولي الراهن. ليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفيا، وإنما لأن الحروب الكبرى قد لا تبدأ دائما بإرادة واضحة لخوضها، بل نتيجة تراكم أزمات وقرارات وتقديرات خاطئة يعجز النظام الدولي عن احتوائها.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم: هل تريد الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا حربا عالمية؟ الأرجح أنها لا تريدها. السؤال الأكثر إلحاحا هو: هل أصبح النظام الدولي أقل قدرة على منع الحروب الإقليمية من الالتقاء في نقطة واحدة؟

من “السائرين نياما ” إلى عالم اليوم

في كتابه الشهير “The Sleepwalkers: How Europe Went to War in 1914″، يقدم المؤرخ كريستوفر كلارك قراءة مهمة لأصول الحرب العالمية الأولى. فبدل البحث عن دولة واحدة يمكن تحميلها كامل مسؤولية الكارثة، يتتبع كلارك شبكة من القرارات والتفاعلات التي جعلت القوى الأوروبية تتحرك تدريجيا نحو الحرب.

تكمن أهمية هذه القراءة بالنسبة إلى عالمنا اليوم في أنها تحول السؤال مِن: من يريد الحرب؟ إلى سؤال أكثر تعقيدا: كيف يمكن لدول لا تريد حربا شاملة أن تنتهي إليها؟

هذه الصراعات ليست أجزاء من حرب عالمية واحدة، ولا ينبغي التعامل معها كما لو كانت كذلك. لكن الخطر يكمن في أن كل واحدة منها تتقاطع بطريقة أو بأخرى مع مصالح القوى الكبرى وتحالفاتها.

وهنا تصبح قراءة كلارك لعام 1914 تحذيرا من شيء مختلف عن الحرب المتعمدة: الحرب التي تنتج عن فشل إدارة الأزمات.

عالم يتسلح من جديد

ثمة مؤشر يصعب تجاهله في هذا السياق، وهو الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري العالمي. فقد أظهرت بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ نحو 2.89 تريليون دولار عام 2025، مسجلا العام الحادي عشر على التوالي من الارتفاع.

ولا يعني ارتفاع الإنفاق العسكري أن الحرب العالمية باتت وشيكة، فالدول تتسلح أيضا من أجل الردع ومنع خصومها من مهاجمتها. لكنه يكشف عن تحول أعمق: القوى الكبرى أصبحت تنظر إلى البيئة الدولية بوصفها أقل أمنا، وبالتالي أصبحت القوة العسكرية أكثر مركزية في حساباتها.

والمفارقة أن هذا السعي إلى الأمن قد ينتج مزيدا من انعدام الأمن. فحين تزيد دولة قدراتها العسكرية لحماية نفسها، قد ينظر خصمها إلى هذا التسلح بوصفه تهديدا، فيزيد بدوره قدراته العسكرية. يدخل الطرفان بذلك فيما يسميه منظرو العلاقات الدولية “المعضلة الأمنية “: الجميع يتسلح طلبا للأمن، لكن النتيجة النهائية أن الجميع يشعر بقدر أقل منه.

وتبدو بعض ملامح هذه الحلقة واضحة اليوم: أوروبا تزيد قدراتها الدفاعية بسبب الخوف من روسيا؛ وروسيا تنظر إلى توسع الناتو باعتباره تهديدا لأمنها؛ والولايات المتحدة تعزز وجودها وتحالفاتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لردع الصين؛ بينما ترى بكين في هذا الانتشار محاولة لمحاصرتها واحتواء صعودها.

وهكذا يمكن للردع، إذا فشلت السياسة في إدارته، أن يصبح جزءا من المشكلة التي يفترض أن يحلها.

شبح 1914

تزداد المقارنة إثارة للاهتمام عندما ننظر إلى بنية النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي سبق الحرب العالمية الأولى كان عالما متعدد القوى: بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وروسيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية وغيرها، ضمن شبكة من التحالفات والمنافسات. ولم تكن المشكلة في تعدد القوى في حد ذاته، بل في ضعف المؤسسات القادرة على تنظيم تنافسها.

وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من الوقوع في الاعتقاد بأن الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب سيؤدي تلقائيا إلى مزيد من السلام والاستقرار، مستدعيا تجربة أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى للتحذير من تعددية قطبية تفتقر إلى مؤسسات قوية لإدارة المنافسة. وهذا التحذير مهم اليوم.

فالنظام الأحادي القطبية الذي ظهر بعد نهاية الحرب الباردة يتراجع. الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأبرز عالميا، لكنها لم تعد تعمل في البيئة الدولية نفسها التي عرفتها في تسعينيات القرن الماضي. الصين أصبحت قوة اقتصادية وعسكرية هائلة، وروسيا تحاول إعادة تعريف موقعها ومجالها الأمني، بينما تسعى قوى إقليمية ومتوسطة إلى توسيع استقلالها الإستراتيجي.

فخ ثوسيديدس: هل أصبحت الصين ألمانيا القرن الحادي والعشرين؟

هنا تظهر مقارنة تاريخية أخرى أكثر إثارة للجدل.

في كتابه “?Destined for War :Can America and China Escape Thucydides’s Trap”، يستعيد الباحث الأمريكي غراهام أليسون مقولة المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس عن الحرب بين أثينا وإسبرطة، ليصوغ مفهوم “فخ ثوسيديدس”.

الفكرة بسيطة: عندما تصعد قوة جديدة بسرعة وتهدد المكانة التي تتمتع بها قوة مهيمنة، يرتفع خطر الصدام بينهما. درس مشروع أليسون 16 حالة تاريخية من هذا النوع خلال نحو خمسة قرون، وانتهت 12 منها إلى الحرب.

ومن هنا يطرح أليسون السؤال على العلاقة بين الصين والولايات المتحدة: هل يؤدي صعود الصين والخوف الأمريكي من فقدان التفوق إلى إعادة إنتاج الديناميكية نفسها؟

المقارنة مع أوروبا قبل 1914 مغرية. فقد كان صعود ألمانيا السريع في نهاية القرن التاسع عشر عاملا رئيسيا في تغيير توازن القوى الأوروبي، وأثار قلق بريطانيا والقوى الأخرى. واليوم يمثل الصعود الصيني أكبر تحد طويل المدى للموقع الذي احتلته الولايات المتحدة داخل النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.

لكن هنا تحديدا ينبغي الحذر من تحويل التاريخ إلى نبوءة. فـ”فخ ثوسيديدس” ليس قانونا طبيعيا للعلاقات الدولية. بل إن أليسون نفسه يؤكد أن الحرب ليست حتمية، ويشير إلى أن أربعا من الحالات الست عشرة التي درسها لم تنته إلى الحرب.

كما أن اختزال العلاقات الأمريكية الصينية في ثنائية قوة صاعدة ضد قوة مهيمنة قد يحجب عنا اختلافات أساسية بين الحاضر والماضي. الصين والولايات المتحدة مرتبطتان بشبكات اقتصادية وتجارية وتكنولوجية لم يكن لها نظير في العلاقة بين بريطانيا وألمانيا قبل 1914. كما أن وجود السلاح النووي يجعل تكلفة الحرب بينهما مختلفة جذريا.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لفكرة أليسون ليست في التنبؤ بأن الحرب قادمة، وإنما في التنبيه إلى أن التحولات الكبرى في ميزان القوة تحتاج إلى إدارة سياسية استثنائية حتى لا تتحول المنافسة إلى مواجهة.

ثلاث بؤر واختبار واحد

إذا كانت المنافسة الأمريكية الصينية تمثل التحول البنيوي الأكبر في النظام الدولي، فإن الخطر المباشر يأتي من ثلاث بؤر يمكن أن تختبر قدرة القوى الكبرى على ضبط التصعيد ومنع الأزمات الإقليمية من التحول إلى مواجهات أوسع.

أولها أوروبا، حيث أعادت الحرب الروسية الأوكرانية الحرب التقليدية واسعة النطاق إلى القارة. والخطر لا يتوقف عند حدود أوكرانيا، بل يتعلق بإمكانية أن يؤدي خطأ في الحساب أو حادث عسكري إلى احتكاك مباشر بين روسيا ودولة عضو في حلف شمال الأطلسي، بما قد يضع قوتين نوويتين في مواجهة يصعب التحكم في مسارها.

وثانيها الشرق الأوسط، حيث أظهرت السنوات الأخيرة مرة أخرى أن الصراع الإقليمي قادر على تجاوز حدوده بسرعة. فالمنطقة تضم مصالح أمريكية وروسية وصينية وأوروبية، وتتقاطع فيها النزاعات المحلية مع التحالفات الدولية، كما تتحكم في أجزاء أساسية من طرق الطاقة والتجارة العالمية.

فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقلت المواجهة من نطاق الردع والحروب بالوكالة إلى مستوى أكثر مباشرة، بينما جعل موقع إيران الجغرافي مضيق هرمز جزءا من الصراع نفسه. ولا تكمن خطورة المضيق في أهميته العسكرية فحسب، بل في موقعه داخل منظومة الطاقة والتجارة العالمية.

ولذلك، يمكن لأي تعطيل طويل للملاحة فيه أن يحول حربا إقليمية إلى أزمة اقتصادية ذات تداعيات عالمية. وهنا تحديدا تظهر إحدى سمات الحرب الكبرى في القرن الحادي والعشرين: قد تصبح الحرب عالمية في آثارها قبل أن تصبح عالمية في جبهاتها.

ولا يشترط أن تشتعل البؤر الثلاث في الوقت نفسه حتى يدخل العالم مرحلة أكثر خطورة. فالمشكلة ليست في وجود ثلاث حروب منفصلة فحسب، وإنما في احتمال أن يؤدي التصعيد في إحداها إلى إعادة ترتيب التحالفات والحسابات الإستراتيجية في البؤر الأخرى.

وهنا يعود درس 1914: الأزمة التي تشعل النظام ليست بالضرورة الأزمة التي صنعت تناقضاته. فقد تكون الشرارة محلية، بينما تكون الشروط التي تسمح بانتشار الحريق قد تراكمت منذ سنوات.

لكننا لسنا في عام 1914

ومع ذلك، فإن القياس التاريخي يصبح خطرا عندما يتحول من أداة للفهم إلى بديل عن الفهم. روسيا ليست ألمانيا القيصرية، والصين ليست ألمانيا الإمبراطورية، والولايات المتحدة ليست بريطانيا مطلع القرن العشرين، وتايوان ليست سراييفو.

كما أن العالم تعلم شيئا بالغ الأهمية منذ 1945: الحرب بين القوى الكبرى في العصر النووي قد لا يكون لها منتصر. ولهذا شكل الردع النووي، رغم مخاطره الأخلاقية والإستراتيجية الهائلة، أحد الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يتجنبان المواجهة العسكرية المباشرة خلال الحرب الباردة.

وهناك أيضا درجة غير مسبوقة من الترابط الاقتصادي. فأي حرب واسعة بين الولايات المتحدة والصين، مثلا، لن تبقى بين جيشي الدولتين، بل ستضرب سلاسل التوريد والأسواق والتكنولوجيا والتجارة العالمية. كما توجد اليوم الأمم المتحدة ومجموعة العشرين والمؤسسات الإقليمية وقنوات الاتصال العسكرية والدبلوماسية. وهي مؤسسات تعاني أزمات عميقة، لكنها توفر آليات لإدارة الصراع لم تكن موجودة بالشكل نفسه عام 1914.

لهذا السبب لا ينبغي أن تقودنا المقارنة التاريخية إلى الاستسلام لفكرة الحتمية، بل إلى العكس تماما.

أزمة النظام قبل أزمة الحروب

المؤشر الأكثر إثارة للقلق ليس، إذن، مجرد وجود حروب كثيرة، وإنما تراجع الثقة في المؤسسات والقواعد التي يفترض أن تمنع تحولها إلى حرب أكبر.

مجلس الأمن يصاب بالشلل مرارا عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى. ومبادئ القانون الدولي أصبحت بدورها ساحة للصراع السياسي: من يحدد المعتدي؟ متى يكون التدخل مشروعا؟ ولماذا تطبق بعض القواعد بحزم في أزمة، بينما تبدو انتقائية في أزمة أخرى؟

ولا تتوقف خطورة هذه الازدواجية عند بعدها الأخلاقي. فعندما تفقد الدول الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على حمايتها، تصبح أكثر اعتمادا على التسلح والتحالفات والقوة الذاتية. وعندما يحدث ذلك بصورة متزامنة لدى عدة دول، يدخل النظام الدولي في دائرة من انعدام الثقة يصعب الخروج منها.

ومن هنا قد تكون الأزمة التي يعيشها العالم اليوم أزمة نظام دولي قبل أن تكون مجرد مجموعة من الحروب.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

التاريخ لا يعيد نفسه بالمعنى الحرفي، لكنه يضع أمامنا أنماطا تستحق التأمل. فحين يتزامن صعود قوى جديدة مع التراجع النسبي لقوى مهيمنة، وتتسارع سباقات التسلح، وتضعف المؤسسات متعددة الأطراف، وتتوسع الحروب الإقليمية، وتزداد الشكوك المتبادلة بين القوى الكبرى، تصبح إدارة الأزمات أكثر صعوبة.

والمفارقة أن القوى الكبرى اليوم لا تريد، على الأرجح، حربا عالمية. واشنطن لا تريد حربا مباشرة مع بكين أو موسكو. والصين لا تحتاج إلى حرب عالمية لتحقيق صعودها. وروسيا تدرك المخاطر الوجودية التي يمكن أن تترتب على مواجهة شاملة مع الناتو.

لكن هذه الحقيقة لا تكفي وحدها للاطمئنان. فأحد أهم دروس كريستوفر كلارك عن عام 1914 هو أن فهم الكارثة لا يتطلب بالضرورة البحث عن شخص قرر صنعها منذ البداية. قد تكون الكارثة حصيلة سلسلة من القرارات التي بدت لكل طرف، في لحظتها، قابلة للتبرير.

ومن ثوسيديدس إلى سراييفو، يبقى الدرس واحدا بصيغ مختلفة: التحولات في موازين القوة تصبح شديدة الخطورة عندما تفشل السياسة في إدارتها. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم ليس: متى تبدأ الحرب العالمية الثالثة؟

بل: هل لا تزال لدينا القدرة السياسية والمؤسساتية لمنع الأزمات المتفرقة من التحول إلى حرب كبرى؟ فالخطر الحقيقي ليس أن تكون الحرب العالمية حتمية، وإنما أن تصبح ممكنة بينما يواصل الجميع التصرف على أساس أنها مستحيلة.

وفي عام 1914، لم يكن العالم يفتقر إلى السياسيين والدبلوماسيين والجيوش والتحالفات. ما افتقر إليه في اللحظة الحاسمة كان القدرة على إيقاف سلسلة التصعيد. بعد أكثر من قرن، وفي عالم أشد تسلحا وترابطا وقدرة على التدمير، ربما يكون هذا هو الدرس التاريخي الذي لا يمكن تجاهله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر / الجزيرة

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً