أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / في نقد المشاركة السياسية في الوطن العربي المقال الخامس: وهم المعارضة، حين يصبح المواطن جزءا من الوهم

في نقد المشاركة السياسية في الوطن العربي المقال الخامس: وهم المعارضة، حين يصبح المواطن جزءا من الوهم

الأربعاء 30 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي*/ المغرب

إذا كان وهم المعارضة يبدأ من المساحة التي تمنح لها، فإنه لا ينتهي عند حدود الأحزاب والبرلمانات ووسائل الإعلام. فالنتيجة الأعمق تظهر في مكان آخر: في وعي المواطن نفسه.

المواطن الذي يسمع خطابات حماسية ووعودا بالتغيير، ثم لا يرى شيئا يتغير، لا يبقى على حاله. قد يبدأ بالأمل، ثم ينتقل إلى الشك، ومن الشك إلى اللامبالاة، ثم إلى اليأس. ومع تكرار الدورة، لا يعود للسؤال عن برنامج هذا الحزب أو ذاك، بل يبدأ في الشك في السياسة نفسها، ليصبح وهم المعارضة أكثر خطورة من مجرد واجهة سياسية، لأنه يتحول إلى تجربة نفسية واجتماعية يتعلم منها المواطن درسا قاسيا، أن السياسة كلها مسرح، وأن الوعود كلها متشابهة، وأن التغيير، مهما تغيرت الوجوه والشعارات، لن يؤدي إلى شيء مختلف. إنها لحظة يتحول فيها السخط إلى لامبالاة، والغضب إلى سخرية، والأمل إلى يأس، ليعيش المواطن في هذه الحالة ازدواجية مؤلمة. فهو يحتاج إلى الأمل، وإلى الإيمان بأن التغيير ممكن، لكنه يرى في الوقت نفسه أن محاولات التغيير السابقة لم تنتج ما كان ينتظره. لا يثق، ولا يرفض، ولا يقبل، ولا يقاطع. يظل في منطقة رمادية بين الرغبة في التغيير والخوف من نتائجه. وهنا لا تصبح المعارضة المرخّصة مجرد ظاهرة تخص النخب السياسية، بل تصبح جزءا من علاقة المواطن بالمجال العام كله.

وبالتالي فإن السؤال الموضوعي لا ينبغي أن يكون فقط: ما نوع المعارضة الموجودة؟ بل أيضا: ماذا تفعل هذه المعارضة في وعي الناس؟

المعارضة التي تتكرر أمام المواطن دون أن تنتج أثرا ملموسا، قد تساهم من حيث لا تريد، في ترسيخ الإعتقاد بأن السياسة عاجزة عن تغيير الواقع. والمفارقة أن المعارضة التي يفترض أن تحافظ على الأمل في إمكانية الفعل قد تصبح، إذا طال انفصالها عن الفعل الحقيقي، إحدى الآليات التي تنتج اليأس. وهذا لا يعني أن كل معارضة مرخّصة زائفة، ولا أن كل مشاركة داخل المؤسسات السياسية عديمة القيمة. فالواقع أكثر تعقيدا من هذه الثنائية. هناك مساحات رمادية، ومحاولات إصلاحية، وأفراد وأحزاب قد تعمل داخل حدود ضيقة لتوسيعها تدريجيا. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح وجود المعارضة هو الغاية بدل أن يكون وسيلة، وحين تصبح الصورة أهم من القدرة على الفعل.

في هذا السياق تظهر أشكال مختلفة من المعارضة. هناك المعارضة الرسمية التي تعمل داخل الأطر المرخصة، وتشارك في الانتخابات والمؤسسات. وهناك المعارضة شبه الرسمية التي تتحرك في منطقة أكثر رمادية، فتشارك أحيانا وتقاطع أحيانا، وتحاول اختبار حدود المجال المتاح. وهناك المعارضة غير الرسمية التي تعمل خارج الأطر المسموح بها، فتدفع غالبا ثمنا أعلى مقابل قدرتها على تجاوز تلك الحدود. وهناك أيضا معارضة ثقافية لا تتحرك بالضرورة من خلال حزب أو مؤسسة سياسية: كتاب ومفكرون وفنانون وإعلاميون يعملون في الوعي أكثر مما يعملون في المؤسسات. وهناك المعارضة الشعبية التي تظهر في الإحتجاجات والحركات الإجتماعية العفوية، وقد تكون واسعة التأثير، لكنها تظل عرضة للتشتت والقمع لأنها لا تمتلك دائما بنية تنظيمية مستقرة.

هذه الأشكال ليست متساوية في الظروف والقدرة والمخاطر، ولا يمكن اختزالها في نموذج واحد. لكن ما يجمعها هو السؤال عن علاقتها بالمجال العام، هل تستطيع أن تنتج وعيا مستقلا وقدرة جماعية على الفعل، أم تظل محكومة بالمساحة التي يسمح بها النظام؟

هنا تظهر المعارضة في المنفى بوصفها حالة مختلفة. فالذي يختار المنفى هربا من القيود يمتلك حرية أوسع في الكلام، لكنه يدفع ثمنا آخر يتمثل في بعد المسافة عن الواقع اليومي للمجتمع الذي يتحدث باسمه. قد يشتد الخطاب كلما ابتعد عن الأرض، بينما يضعف أثره في الداخل. وقد يجد المعارض نفسه مع الوقت يخاطب جمهورا مهاجرا يشبهه في تجربته أكثر مما يخاطب المجتمع الذي يريد تغييره، وهذا لا يعني أن المعارضة في الخارج عديمة الأثر، أو أن الخارج لا يستطيع أن يساهم في التغيير، لكن التجارب السياسية تشير إلى أن التحولات المستقرة تحتاج في النهاية إلى قاعدة اجتماعية داخلية، وإلى معرفة دقيقة بتضاريس الواقع لا تستطيع المسافة وحدها أن توفرها.

ومن هنا نصل إلى السؤال الأهم: إذا كانت المعارضة المرخصة معرضة للإحتواء، والمعارضة في الخارج معرضة للإنفصال، والمعارضة الشعبية معرضة للتشتت، فأين يمكن أن تبدأ المعارضة التي لا تتحول إلى مجرد أداء؟

ربما يبدأ الجواب من إعادة تعريف المعارضة نفسها.

فالمعارضة ليست بالضرورة حزبا، ولا مقعدا في البرلمان، ولا ظهورا تلفزيونيا أو بيانا سياسيا. قد تكون أيضا كتابة حرة، أو حفظا للذاكرة وتضامنا اجتماعيا، أو رفضا للتملق أو تعليما يقوم على التفكير النقدي وإصرارًا على تسمية الأشياء بأسمائها.

هذه الأفعال قد تبدو صغيرة إذا قيست بمعايير السياسة اليومية، لكنها تعمل في مستوى أعمق: مستوى الوعي الذي يجعل السياسة ممكنة أصلا.

فالمعلم الذي يعلم طلابه أن السؤال ليس جريمة، والأب الذي يربي أبناءه على الكرامة، والكاتب الذي يرفض تزوير الكلمات، والمواطن الذي لا يقبل التملق حتى في التفاصيل الصغيرة، كلها أفعال تنتمي إلى المجال نفسه الذي تنتمي إليه المعارضة، وإن لم تحمل اسمها الرسمي، إنها معارضة لا تحتاج إلى ترخيص لأنها لا تطلب الإذن لكي تبدأ.

هنا يمكن أن نفهم، لماذا يكون بناء الوعي الإجتماعي أكثر أهمية من مجرد صناعة رأي عام عابر. فالرأي العام قد يتغير بسرعة، أما الوعي الذي يعيد تعريف الممكن في مخيلة الناس فيحتاج إلى وقت أطول. والمعارضة التي تريد أن تصمد أمام الزمن لا تستطيع أن تعيش فقط على ردود الفعل اليومية، لأنها إن فعلت ستبقى أسيرة اللعبة التي تريد تجاوزها.

السؤال إذن ليس: هل يجب أن تكون هناك معارضة؟ لأن المعارضة، بمعنى حق المجتمع في الإختلاف والمساءلة، ضرورة لأي حياة سياسية حقيقية.

السؤال هو: كيف تكون المعارضة معارضة فعلا، لا مجرد أداء طقوس فارغة؟

الخيط الفاصل بين الإثنين يمر عبر سؤال بسيط وقاس: هل تنتج هذه الممارسة تغييرا حقيقيا في موازين القوى، ولو بطيئا ومتراكما؟ أم أنها تنتج كلاما يريح صاحبه ويمنح خصمه واجهة أجمل؟

المعارضة التي تصمد أمام هذا السؤال هي التي تشتغل على بناء الوعي الجمعي، وعلى نسج شبكات الثقة الإجتماعية، وعلى إعادة تعريف الممكن في مخيلة الناس قبل أن تطالب بتغييره في الواقع. وهي التي تعرف أن المدى القصير قد يكون فخا، وأن المنظومة السياسية أقدر من الفرد على إدارة لعبة اللحظة. ولهذا لا تكون المعارضة الحقيقية مجرد رفع للصوت، بل بناء لقدرة اجتماعية لا يستطيع النظام احتواءها بسهولة. وفي النهاية، ربما تكمن المفارقة الأكبر في صورة ,,الكرسي الفارغ’’. قد تكون الكراسي كلها ممتلئة، وقد تكون المؤسسات مكتظة بالأحزاب والممثلين والمتحدثين، لكن يبقى السؤال معلقا: أين المواطن الذي يشعر أن أحدا يمثله فعلا؟ فالغياب الصاخب أشد وطأة أحيانا من الغياب الصامت. حين تملأ الكراسي بمن لا يشعر الناس أنهم ممثلون بواسطتهم، تصبح الوفرة أشد إيذاء من الفراغ، لأنها تسكت السؤال قبل أن يطرح: أين من يمثلني حقا؟

هذا هو وهم المعارضة في أعمق صوره: ليست المشكلة أنها غائبة، بل أنها قد تكون حاضرة بالضبط بالقدر الذي يجعل الحاجة إلى معارضة حقيقية أقل وضوحا. ومع ذلك، لا تنتهي السياسة عند الكراسي، ولا تبدأ المعارضة عند المنابر. فما وراء المؤسسات الرسمية توجد مساحة أوسع: مساحة الوعي، والذاكرة، والتضامن، والكلمة التي لا تشترى، والإنسان الذي يرفض أن يتحول إلى مجرد متلق لدور كتب له مسبقا.

المعارضة الحقيقية لا تقاس فقط بما تحصل عليه من مساحة، بل بما تستطيع أن تبنيه خارج المساحة الممنوحة لها: ثقة بين الناس، ووعيا مستقلا، وذاكرة لا تمحى، وقدرة على تخيل مستقبل مختلف. وعندما تتراكم هذه الأشياء، لا تعود المعارضة مجرد كلام في المجال العام، بل تصبح جزءا من الحياة نفسها، عندها لا يكون السؤال: من سمح لنا أن نعارض؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل ما زلنا نحتاج إلى إذن كي نفكر، ونتذكر، ونقول الحقيقة؟

*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً