فيينا / السبت 29. 11 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
ويستطرد الشيخ جوادي الآملي في كتابه عن الركوع والسجود قائلا: وممّا ينبّه إلى الاعتداد بالسجود هو: أنّ اللَّه سبحانه لم يكرّم آدم عليه السّلام أعظم من أمر الملائكة بالسجود له “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ” (طه 116) وإن لم تكن تلك السجدة إلَّا عبادة للَّه وطاعة له، كما أنّ الأمر بالتوحيد العبوديّ، ومدار النهي عن الشرك العباديّ هو: الأمر بالسجود للَّه، والنهي عن السجود لغيره تعالى، كما أنّ أساس عبادة الأشياء كلَّها وطاعتها له تعالى هو: السجود حسبما دلّ عليه قوله تعالى “وَلِلَّه ِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ” (النحل 49). ثمّ إنّ الاعتناء بأمر المعاد قد أوجب أن يستدلّ اللَّه تعالى له تارة، ويستشهد له أخرى، ويمثّل له ثالثة. أمّا الاستدلال: فهو المستفاد من غير واحدة من الآيات الدالَّة على إطلاق القدرة من ناحية الفاعل، وإمكان الإعادة كالبدء من ناحية القابل. وأمّا الاستشهاد: فهو المستنبط من غير واحدة من الآيات الدالَّة على أنّ وزان الموت والبعث هو وزان النوم واليقظة، نحو قوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه ِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْه ِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (الانعام 60). أنّ العبد يستعين بالصلاة كما قال سبحانه “وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ” (البقرة 45)، وهذه الاستعانة تكون لأمور شتّى، منها: الوصول إلى الشفاعة، ومن أهمّ أجزاء الصلاة الَّتي بها يستعان هو السجود.
وعن السجود يقول آية الله الشيخ جوادي الآملي: لمّا كان لطول السجود وكثرته أثرا هامّا كثر سجود إبراهيم عليه السّلام، ولذا اتّخذه اللَّه خليلا له كما قاله الصادق عليه السّلام. وطال سجود أبي عبد اللَّه الصادق عليه السّلام حسبما قال منصور الصيقل: حججت فمررت بالمدينة، فأتيت قبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله فسلَّمت عليه، ثمّ التفتّ فإذا بأبي عبد اللَّه عليه السّلام ساجد، فجلست حتّى مللت، ثمّ قلت: لاسبّحنّ ما دام ساجدا، فقلت: سبحان ربّي العظيم وبحمده، أستغفر اللَّه ربّي وأتوب إليه ثلاثمائة مرّة ونيفا وستّين مرّة، فرفع رأسه ثمّ نهض. وقال حفص بن غياث: رأيت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يتخلَّل بساتين الكوفة، فانتهى إلى نخلة فتوضّأ عندها، ثمّ ركع وسجد، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة، ثمّ استند إلى النخلة، فدعا بدعوات ثمّ قال: يا حفص، إنّها واللَّه النخلة التي قال اللَّه عزّ وجلّ لمريم عليها السّلام: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا” (مريم 25). ومن هنا قال الصادق عليه السّلام: (السجود منتهى العبادة من بني آدم)، وقال سلمان الفارسيّ: (لولا السجود للَّه ومجالسة قوم يتلفّظون طيب الكلام كما يتلفّظ طيب الثمر لتمنّيت الموت). وقد ورد في مدح الساجدين قوله تعالى: “سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ” (الفتح 29) لأنّ السجود الطويل أو الكثير يؤثّر في الجبهة، فتنقش فيها سمة السجدة، وهكذا ورد في قدح الفاقدين لسمة الإيمان والسجود قول أمير المؤمنين عليه السّلام: (إنّي لأكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها أثر السجود)، والجلحاء هي الجبهة الَّتي انحسر شعرها عن جانبي الرأس. ومن طال سجوده أو كثر ينحسر شعره، أو تتّسم جبهته بما وصفه اللَّه حسبما مرّ، وقد قال السجّاد عليه السّلام لقوم يزعمون التشيّع لأهل البيت عليهم السّلام: (أين السمة في الوجوه؟ أين أثر العبادة؟ أين سيماء السجود؟ إنّما شيعتنا يعرفون بعبادتهم وشعثهم، قد قرحت منهم الآناف، ودثرت الجباه والمساجد).
وعن تشريع الصلاة يقول الشيخ جوادي الآملي حفظه الله: لا ريب في أنّ النظام التكوينيّ إنّما هو على الطاعة والهداية، ولا مجال للعصيان والضلالة فيه، لأنّ زمام كلّ موجود تكوينيّ إنّما هو بيد اللَّه سبحانه، وهو تعالى على صراط مستقيم، وكلّ ما كان زمامه بيد من هو على الصراط السويّ فهو مهتد البتّة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى “ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ” (هود 56) لدلالته على الأصلين المذكورين، وحيث إنّه لا مجال للتمرّد في التكوين يكون كلّ موجود ممكنا فهو يأتي ربّه طائعا، كما يدلّ عليه قوله تعالى “فَقالَ لَها وَلِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ” (فصلت 11). والذي يشاهد من الضلالة والغواية فإنّما هو في التشريع، حيث إنّ المكلَّف مختار في طيّ السبيل السويّ أو الغويّ، وإنّما العبادة سيّما الصلاة قد شرّعت لتطابق النظامين، وقد شرّع في الصلاة أحوال تمثّل النظام التكوينيّ من الطاعة والهداية.
وعن السلام يقول الشيخ آية الله الآملي: إنّ السلام اسم من الأسماء الحسنى الإلهيّة، وهو اسم فعليّ لا ذاتيّ، فهو ينتزع من فعل اللَّه لا من ذاته. وحيث إنّ فعل اللَّه صادر منه فهو خارج عنه، مفتقر إليه، فعليه لا غرو في إطلاقه على المظهر التامّ الإلهيّ، أي: الإنسان الكامل نحو آل البيت عليهم السّلام، فعليه لا تنافي بين قوله تعالى: “هُوَ ا للهُ الَّذِي لا إِله َ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ” (الحشر 23) وبين ما تقدّم من تطبيق السلام على الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وآله عليهم السّلام. ولمّا كانت الجنّة دارا للَّه الذي هو السلام فصحّ أن يقال لها: إنّها دار السلام، كما أنّها بنفسها تتّصف بالسلامة أيضا، إذ لا لغو فيها ولا تأثيم، فبذلك يظهر معنى قوله تعالى “لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ” (الانعام 127)، ويتنزّل ذلك السلام من ربّ رحيم، كما في سورة يس “سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ” (يس 58)، فمن كان من أولي العزم وكان أعزم من غيره نحو: نوح عليه السّلام حيث إنّه تحمّل أعباء الرسالة ألفا إلَّا خمسين عاما كان سلام اللَّه عليه أوسع من سلامه تعالى على غيره، إذ لم يرد في حقّ غيره ما ورد في حقّه من السلام العالميّ، لأنّ القرآن قد نطق في حقّه فقط بقول اللَّه تعالى: “سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ” (الصافات 79)، وأمّا في حقّ غيره فلا يوجد فيه عنوان (العالمين). والملائكة يسلَّمون على المؤمنين ويقولون لهم “سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون” (النحل 32)، وتحيّة أهل الجنّة بعضهم لبعض إنّما هي بالتسليم، كما قال اللَّه تعالى “دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ” (يونس 10). وهكذا تحيّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لمن جاءه يتعلَّم منه معالم دينه، كما قال اللَّه تعالى “وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ” (الانعام 54)، وهؤلاء على صنفين: أحدهما: من يتسلَّم السلام من اللَّه ويرى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسيطا في إبلاغه، وهو الأوحديّ من أهل الإيمان.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل