فيينا / السبت 07 . 02 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
الذوق العام… حين يصبح اللطف فعل مقاومة
لم تعد قسوة الحياة وحدها هي ما يثقل يومياتنا،
بل تلك القسوة الصامتة التي تتسرّب إلى سلوكنا العام، وتتحول شيئًا فشيئًا إلى “وضع طبيعي”.
في الشارع، في وسائل النقل، في الدوائر، وحتى في طابور انتظار بسيط…
يمكن ملاحظة تراجع واضح في أبسط قواعد الذوق العام، وكأن الاعتذار بات عبئًا، والتهذيب خيارًا ثانويًا لا ضرورة له.
فتاة تتعرض لكلمة جارحة أو مضايقة عابرة، فتختار الصمت لا قبولًا، بل اتقاءً لتصعيد قد يضعها في موقف أشد قسوة. غير أن المتحرش، بعقليته المنحرفة، يفسّر هذا الصمت خطأً على أنه سماح ضمني، فتتحول لحظة الانتهاك إلى مشهد مألوف يتكرر بلا رادع اجتماعي حقيقي.
في مشهد آخر، يمرّ أحدهم مصطدمًا بآخرين دون أن يلتفت أو يعتذر، كأن الاعتراف بالخطأ ينتقص من هيبته. وفي طابور طويل، يقفز شخص متجاوزًا المنتظرين دون استئذان، متجاهلًا حقّهم في الوقت والاحترام.
ليست هذه تفاصيل صغيرة عابرة؛ إنها شروخ دقيقة في جدار التربية.
حين يتقاعس بعض الآباء عن غرس أبسط قواعد التعامل الإنساني في أبنائهم، لا يخرّجون أفرادًا واثقين، بل يطلقون إلى المجتمع سلوكيات تفتقر إلى الحدود والوعي بالآخر. فالتربية لا تُقاس بقدرة الأبناء على المنافسة فقط، بل بقدرتهم على احترام المساحة المشتركة التي يعيش فيها الجميع.
الاتكيت ليس ترفًا اجتماعيًا، ولا مجموعة قواعد جامدة تُستعرض في المناسبات، بل هو اعتراف يومي بإنسانية الآخرين.
أن تقول “عذرًا” يعني أنك ترى من أمامك.
أن تنتظر دورك يعني أنك تؤمن بأن الوقت ليس ملكك وحدك.
أن تمتنع عن الأذى اللفظي أو الجسدي يعني أنك تربّيت على أن الكرامة حق متبادل، لا امتياز فردي.
المفارقة أن اللطف لا يكلّف شيئًا، لكن غيابه يضاعف ثقل الحياة. فمجتمعٌ تكثر فيه الاعتذارات الصادقة تقلّ فيه الاحتكاكات، ومكانٌ تُحترم فيه الأدوار يقلّ فيه الغضب المكتوم.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الشعارات الأخلاقية بقدر حاجتنا إلى ممارسة يومية بسيطة: أبٌ يعلّم ابنه أن الاعتذار قوة، وأمٌ تغرس في طفلها أن احترام الآخرين هو احترام للذات قبل كل شيء.
في الختام وقبل السلام نقول ، لا تُقاس حضارة المجتمعات بارتفاع أبنيتها ولا بسرعة شبكاتها، بل بطريقة عبور أفرادها بجانب بعضهم دون أن يجرح أحدهم الآخر، فالذوق العام ليس زينة سلوك، بل جوهر إنسانيتنا المشتركة؛ وكل كلمة طيبة، وكل اعتذار صغير، هو محاولة هادئة لإعادة ترميم عالمٍ يتشقق من الداخل. حين نفقد اللطف، نفقد المعنى وحين نحافظ عليه، نمنح الحياة—رغم قسوتها—قابليةً لأن تُعاش بكرامة.
*سكرتير التحرير
بغداد / 07 . 02 . 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل