الرئيسية / مقالات / وزارة الكهرباء ام وزارة المجاز ؟ الكهرباء العراقية والمولدات العظمى

وزارة الكهرباء ام وزارة المجاز ؟ الكهرباء العراقية والمولدات العظمى

الخميس 04 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

دعاء هزاع الجابري – اليمن

في العراق لا تنقصنا الكهرباء فقط ، بل تنقصنا القدرة على كبح جماح التصريحات التي تُطلقها السلطة من علٍ، وكأنها تعيش في بلد آخر غير ذلك الذي يرزح تحت شمس الصيف اللاهبة ومولدات الأحياء المتعبة ، فبينما يقف المواطن العراقي منذ عقود رهينة لساعات القطع والانطفاء ، يخرج وزير الكهرباء ليعلن بثقة لافتة أن العراق سينقل تجربته في إدارة ملف الكهرباء إلى أوروبا

فعن أي تجربة يتحدث ياترى ؟ ، هل هي تجربة المليارات التي ذابت في أسلاك الفساد قبل أن تصل إلى أعمدة الكهرباء؟ أم تجربة الوعود الموسمية التي تتفتح كل صيف ثم تذبل مع أول موجة حر؟ أم لعلها تجربة المواطن الذي يدفع فاتورتين وثلاثا للدولة وللمولدات الأهلية ولصبره المستنزف ، ولا يحصل في النهاية إلا على ضوء متقطع يشبه ومضات الأمل الكاذب؟ ، إن أكثر ما يثير الدهشة هنا ليس التصريح ذاته ، بل تلك الهوة السحيقة بين اللغة الرسمية والواقع ، فالسلطة تتحدث بلغة الإنجازات الكبرى ، بينما يتحدث الشارع بلغة المولدات والشموع والاختناقات الحرارية ، لذلك نحن اليوم امام ” عراقان متوازيان ” ، عراق التصريحات الذي يقترب من أوروبا ، وعراق المواطنين الذي ما زال يبحث عن استقرار تيار كهربائي داخل حدوده ، ولو سمعت أوروبا هذا التصريح بجدية ، لسارعت لإغلاق محطاتها الحديثة واستبدالها بخطط خمسية ومؤتمرات صحفية ولجان تحقيق لا تنتهي ، ولاستوردت أيضا ذلك الفن الوزاري العجيب في العراق بتحويل الأزمات المزمنة إلى مشاريع مؤقتة ، ثم تحويل المشاريع المؤقتة إلى أزمات أكثر ديمومة

أن المفارقة في ذلك هو أن الكهرباء في العراق لم تعد مجرد خدمة عامة بل تحولت إلى مرآة تعكس طبيعة النظام الإداري والسياسي الفاسد بأكمله ، فكل انقطاع للتيار هو شهادة إضافية على انقطاع الإرادة ، وكل محطة متعثرة هي صورة مصغرة لمؤسسات أُنهكت بالتجاذبات والمحاصصة وسوء التخطيط ، لذلك يبدو الحديث عن تصدير التجربة إلى أوروبا أقرب إلى نكتة سياسية سوداء منه إلى مشروع تعاون دولي ، لان الأمم لا تُقاس بما تقوله عن ذاتها بل بما يراه الناس في حياتهم اليومية ، وما دام العراقي يراقب عداد ساعات التجهيز أكثر مما يراقب ساعته الشخصية ، وما دامت المولدات الأهلية جزءا من المشهد الحضري أكثر من الحدائق والمكتبات ، فإن الحديث عن نقل الخبرات إلى الخارج يبدو محاولة لتزيين جدار متصدع بدلا من ترميمه ، فالعيب ليس في الطموح ، فالعراق يستحق أن يكون مصدرا للخبرة لا مستوردا للحلول ، لكن الطموح حين ينفصل عن الواقع يتحول إلى شكل من أشكال الإنكار ، والإنكار حين يصبح سياسة رسمية لا ينتج كهرباء بل ينتج المزيد من الخطابات التي تضيء الشاشات بينما تبقى البيوت غارقة في العتمة

يبقى بذلك السؤال معلقا فوق أعمدة الكهرباء العراقية في : هل ستتعلم أوروبا من العراق حقا ؟ أم أن العراق نفسه ما زال ينتظر أن يتعلم من تجربته الطويلة مع الوعود التي أضاءت المنابر وأطفأت ثقة الناس؟ ، ففي النهاية ليست المشكلة في أن المسؤول قال ما قاله ، بل في أن المواطن سمعه وهو يجلس تحت مروحة متوقفة ، في بيت اعتاد أن يصدق صوت المولد أكثر مما يصدق صوت الوزارة ، لتولد هناك بين العتمة والتصريح الأكذوبة الكاملة في : حكم لم ينجح بعد في إقناع الكهرباء بالبقاء ، لكنه يفكر في تعليم العالم كيف يديرها . 

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً