الأربعاء 27 . 05 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
كان العيد يومًا يشبه الوطن الصغير…
تُفتح فيه أبواب البيوت قبل القلوب، وتتعالى أصوات الضحكات من كل زاوية، وتتحول “الصينية” الممتلئة بالكليجة والشاي إلى مائدة اعتراف جماعية بالمحبة. لم يكن أحد يحتاج إلى موعد مسبق لزيارة الأقارب، ولا إلى رسالة “كل عام وأنتم بخير” منسوخة وملصقة بعشرات المحادثات. كان العيد يُقاس بعدد الأيادي التي نصافحها، لا بعدد الإشعارات التي تصل إلى هواتفنا.
اليوم تغيّر كل شيء…
صار العيد يمرّ خفيفًا، باردًا، كأنه “ستوري” تُعرض لـ24 ساعة ثم تختفي. اكتفى الناس ببوستات جاهزة، وكلمات محفوظة بلا روح، حتى المشاعر أصبحت تُرسل بصيغة إلكترونية مختصرة، وكأن العلاقات العائلية لم تعد تحتمل أكثر من “إيموجي قلب” ورسالة جماعية تُرسل بضغطة زر.
الجيل الحالي لم يعد يرى في تجمعات العيد تلك البهجة القديمة، بل يراها أحيانًا واجبًا ثقيلًا.
فأسئلة العائلة التي كانت تُقال بدافع الاطمئنان، أصبحت تُفسَّر كتدخل فجّ بالخصوصية: “ليش لهسه ما متزوج؟”
“وين وصلت بشغلك؟”
“ليش متغير؟”
“ليش مختفي؟”
أسئلة قد تبدو عادية عند جيلٍ اعتاد المشاركة الجماعية للحياة، لكنها عند الجيل الحالي تشبه جلسة استجواب طويلة، تفتح أبواب المقارنات والضغوط النفسية، وتعيد للإنسان شعوره بأنه دائمًا مطالب بأن يبرر اختياراته وحياته وحتى تأخره عن تحقيق ما يريده الآخرون له.
ولهذا أصبح كثيرون يفضلون قضاء العيد خلف شاشاتهم…
في عالم افتراضي لا يسألهم أحد فيه عن أعمارهم، ولا رواتبهم، ولا مشاريع زواجهم المؤجلة. عالم يمنحهم مساحة صامتة للهروب من الأحكام والتوقعات الثقيلة. صار الهاتف بالنسبة للبعض أكثر راحة من جلسة عائلية كاملة، لأن العلاقات الرقمية — رغم برودها — تبدو أقل إرهاقًا من علاقات حقيقية مثقلة بالتدخلات وسوء الفهم.
لكن، ورغم كل هذا التغيير، يبقى في داخل الإنسان حنين غريب لذلك العيد القديم…
للبيوت المكتظة، ولأصوات الأطفال، ولرائحة الطعام التي تملأ الأزقة، ولتلك الزيارات التي كانت تحدث بعفوية جميلة دون تنسيق مسبق أو اعتذار لاحق. ربما لم تتغير الأعياد وحدها، بل نحن أيضًا تغيّرنا… أصبحنا أكثر حساسية، أكثر عزلة، وأكثر خوفًا من الاحتكاك المباشر، حتى بتنا نختبئ خلف الشاشات ونسمّي ذلك “راحة نفسية”.
وفي الختام وقبل السلام ومع ذلك، لا يزال العيد يملك فرصة لينقذ ما تبقى من دفء العلاقات، لو تعلّم الجميع أن المحبة لا تعني التدخل، وأن السؤال يمكن أن يكون لطيفًا دون أن يتحول إلى عبء، وأن العائلة خُلقت لتكون ملاذًا للراحة لا ساحة للمحاسبة.
*سكرتير التحرير
بغداد /27. 05. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل