الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الثلاثاء 12 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

الحج ليس رحلة سفرٍ عادية، ولا طقسًا موسميًا يؤديه الإنسان ثم يعود كما كان، بل هو نداءٌ خفيّ لا يسمعه إلا من اصطفاه الله لزيارة بيته. فكثيرون يمتلكون المال والصحة والقدرة، لكن قلوبهم لم تُدعَ بعد إلى تلك الرحلة التي تغيّر الروح قبل الملامح. وكأن الحج ليس قرارًا بشريًا بقدر ما هو دعوة إلهية يختار الله بها من يشاء ليقف بين يديه متجردًا من الدنيا وكل ما فيها.
هناك، حيث يخلع الإنسان عنه أسماءه ومناصبه وهمومه، يولد من جديد. يطوف بقلبه قبل قدميه، ويسعى بروحه قبل جسده، ويكتشف أن أعظم الطرق إلى الله تبدأ حين يتخفف المرء من ثقله الداخلي ومن ذنوبه المتراكمة. فالحج الحقيقي ليس في الوصول إلى مكة فقط، بل في الوصول إلى حالة من الصفاء تجعل الإنسان يعود بقلبٍ أنقى ونفسٍ أكثر سلامًا ورحمة.
وقد تغيّر الحج كثيرًا عبر السنين، لا في جوهره الروحي، بل في تفاصيله ووسائله ومقدار المشقة التي كانت ترافقه. ففي الماضي، كان الحاج يودّع أهله وكأنه ذاهب إلى رحلة مجهولة العودة، يقطع الصحارى والأسفار الطويلة لأشهرٍ وربما لسنوات، يواجه التعب والخوف وشحّ الماء وقسوة الطرق، وكان الوصول إلى البيت الحرام حلمًا يحتاج إلى صبرٍ وإيمانٍ كبيرين. أما اليوم، فقد دخلت التكنولوجيا في كل تفصيلة من تفاصيل الحج، فسهّلت الطرق وذلّلت العقبات، من وسائل النقل الحديثة إلى الخرائط الذكية والتطبيقات الإلكترونية والتنظيم الدقيق وإدارة الحشود والخدمات الصحية والاتصالات التي جعلت الحاج قريبًا من أهله في كل لحظة.
حتى المشاعر نفسها تغيّرت في طريقة التعبير عنها، فالحاج قديمًا كان يحمل الدعاء والحنين فقط، بينما أصبح حاجّ اليوم يوثّق رحلته بالصور ومقاطع الفيديو والبث المباشر. وبرغم كل هذا التطور، بقيت الحقيقة الأهم ثابتة لا تتغير؛ أن الحج لا يُقاس بسهولة الطريق بل بما يتركه في الروح من أثر، وأن التكنولوجيا مهما اختصرت المسافات، لا تستطيع أن تصنع الإيمان أو تمنح الإنسان تلك الطمأنينة التي يشعر بها حين يقف خاشعًا أمام بيت الله.
إنها رحلة لغسل الروح لا لالتقاط الصور، ولتنقية القلب لا للتفاخر بعدد المشاهد الموثقة. فكم من حاجّ عاد بوجهٍ متعب وقلبٍ كما هو، لأنه لم يفهم معنى الوقوف بين يدي الله، ولم يدرك أن الحج التزامٌ أخلاقي وروحي قبل أن يكون أداءً لشعائر محفوظة. ومن لم يحمل معه نية التغيير، فلن ينال من رحلته سوى العناء، وصور “السيلفي” التي توثق اللحظة لكنها تبقى فارغة من المعنى.
الحج الحقيقي هو أن يعود الإنسان أخفّ من ذنوبه، وأقرب إلى الله، وأكثر قدرة على محبة الناس والتسامح معهم. عندها فقط تكون الرحلة قد أدّت معناها، ويكون العبد قد لبّى النداء كما أراده الله، لا كما أرادته العيون والكاميرات.
وأكتب هذه السالوفة وأمي تشدّ رحالها إلى البيت العتيق لتلبّي النداء. وبرغم حزني الدفين على وداعها، إلا أنني فرحة لفرحها، ومسرورة لها وهي تمضي نحو تلك الرحلة المباركة التي يتمناها كل قلب مؤمن. أرجو لها سلامة الوصول والقبول، ولكل الحجيج في كل بقاع العالم، أن يعودوا سالمين محمّلين بالنور والطمأنينة وغفران الرحمن.

*سكرتير التحرير
بغداد /11.  05. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً