فيينا / الثلاثاء 23. 12 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
د. فاضل حسن شريف
جاء في كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: الصورة التي يبدو فيها النبي من خلال الظاهرة القرآنية عبدا ضعيفا لله سبحانه، يقف بين يدي مولاه يستمد منه العون ويطلب منه المغفرة ويمتثل أوامره، ونواهيه، ويتلقى منه العقاب بمختلف مراتبه واشكاله، والامثلة القرآنية على ذلك كثيرة: 1 – فالقرآن يصور محمدا صلى الله عليه وآله في صورة الإنسان المطيع الذي لا يملك لنفسه شيئا، ويخاف ربه إن عصاه، فيلتزم الحدود التي وضعها له ويرجو رحمته وليس من شيء يأتيه الا من قبل ربه، فهو يعترف بالعجز المطلق تجاه إرادة الله أو تبديل حرف من القرآن: “وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء نفسي ان اتبع الا ما يوحى إلي، إني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ادراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون” (يونس 15-16). “قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد” (الكهف 110). “قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء” (الأعراف 188). “قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم اني ملك ان اتبع الا ما يوحى إلي” (الأنعام 50). ومن يقرأ هذه الآيات القرآنية ونظائرها ويترك لوجدانه الحكم، لا يسعه إلا أن يقتنع من أعماق قلبه ونفسه بالفرق بين الذات الإلهية الامرة الملقية والذات المحمدية المطيعة المتلقية. 2 – ثم يزداد هذا الفرق وضوحا بين ذات الله المتكلم منزل الوحي وصفاته، وبين ذات رسوله المخاطب متلقي الوحي وصفاته في الآيات التي يعتب الله فيها على نبيه عتابا خفيفا أو شديدا، أو يعلمه فيها بعفوه عنه وغفرانه ما تقدم من ذنبه وما تأخر: فمن العتاب الخفيف المقترن بالعفو خطابه لرسوله في شأن من أذن لهم بالقعود عن القتال في غزوة تبوك: “عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين” (التوبة 43). أو في موضع آخر حين يقول: “ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما” (الفتح 2). وأشد من هذا ما يوجه إلى الرسول صلى الله عليه وآله من الانذار والتهديد في مثل قوله تعالى: “يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس” (المائدة 67) حيث ورد ذلك في قضية الاعلان بولاية علي عليه السلام للامر بعد النبي الذي تم في يوم الغدير. حيث تردد النبي في ذلك خوفا من تكذيب المنافقين له، أو ردهم لهذا الامر وادعائهم ان هذا الامر بدوافع القرابة والمحبة الشخصية، أو قوله تعالى: “وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * اذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا” (الأسراء 73-75). وهذا الإنذار يبلغ القمة، فيستصغر بعده كل تهديد وكل وعيد حين يقول الله تعالى: “ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين” (الحاقة 44-47). ومن خلال هذه الآيات المتوعدة المنذرة وتلك المعاتبة المؤدبة يبدو لنا رسول الله صلى الله عليه وآله مخلوقا ضعيفا بين يدي ربه ذي القدرة القاهرة، والقوى الكبرى والإرادة التي لا معقب لها.
جاء في صفحة مقالات / وكالة انباء براثا عن الانسان والعملية الانتاجية في فكر السيد محمد باقر الحكيم رضي الله عنه للكاتب كريم الوائلي: بنى الامام محمد باقر الحكيم رضوان الله عليه رؤيته الاقتصادية على اعتبار ان حل المشكلات الاقتصادية تبدأ من تلبية الحاجات الانسانية للفرد اولا وللمجتمع ثانيا، منطلقا في ذلك من تحليل النوازع الفطرية والغريزية للانسان وحاجته الى اشباع ميوله التملكية، ولا شك ان وضع حاجات الانسان موضع الاساس في الرؤية الاقتصادية عند الامام الحكيم يعبرعن فهم كوني عميق لمحورية الانسان في النظرية الاقتصادية الاسلامية وفق القرآن الكريم والنظام الكوني، وقد استحضر الامام الحكيم ( رض) في هذا الجانب قوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ” (الانعام 165) فالانسان بوصفه خليفة الله في الارض يشكل العنصر الاساس في العملية الانتاجية التي تاتي بعد اجراء التحويلات على المدخولات الطبيعية لمخزون الارض من الثروات وتحويلها الى مخرجات انتاجية صالحة لاشباع حاجات الانسان المختلفة، ولا شك ان الامام الشهيد محمد باقر الحكيم رضوان الله عليه قد رأى ان العالم شهد قدرا من المتغيـرات التي طالت مختلف جوانب الحياة المعاصرة، و مست كافة البنى الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية في حياة الانسان، ومن الطبيعي ان يؤثر ذلك على هيكل القيم التي يؤمن بها الانسان وكذلك نسق العلاقات الاجتماعية، بمعنى ان العملية الانتاجية هي عملية خلق وابداع انساني مدفوعة بدافع الغريزة والفطرة ويشكل الانسان ذاته احد وسائلها وغايتها وترتدي لباسها الانساني من كونها سمه اساسية من سمات الانسان الغريزية وتستهدف الارتقاء به، وتبعا لذلك فالعملية الانتاجية هي عملية انسانية في المقام الاول قبل ان تكون حضارية واقتصادية وعلى ذلك فأنها لا تقبل الاستغلال والاضطهاد، وفي ذلك يقول الامام الحكيم (ان طريق التكامل الذي يمكن للانسان ان يسير فيه وان يحقق اهدافه من خلاله انما هو استخدام الفطرة والطاقات الغريزية استخداما صالحا باتجاه الخير – دور الفرد في الاقتصاد الاسلامي ص18). يقرن السيد شهيد المحراب رضوان الله عليه بين حرية الإنسان وقدراته من جهة وبين حرية اختيار العمل والنشاط الاقتصادي الذي ينسجم مع ما يحسنه وما يتلائم مع فطرته من جهة اخرى، ويرى أن حرية النشاط الاقتصادي للإنسان كفلها الله تعالى في محكم كتابه المجيد مستشهدا بالآية الكريمة “هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور” (الملك 15).
جاء في كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: المنهج الصحيح للتغيير: وهذا التغيير الجذري بطبيعة الحال يحتاج إلى (منهج صحيح) وطريق مستقيم يمثل (البعد الثاني) للهدف، ويتمثل هذا المنهج بالكتاب والحكمة: “ويعلمهم الكتاب والحكمة” (البقرة 129): ” الكتاب ” الذي يمثل الشريعة والدين، و ” الحكمة ” التي تمثل معرفة الحقائق الكونية والروحية والقوانين والسنن العامة التي تتحكم في الوجود، وفي تأريخ الإنسان وحركته وتطوره، وتؤثر على سعادته وشقائه. ومن هنا جاء القرآن الكريم ليرسم هذا الطريق، فهو المنهج الشامل الذي يحدد العلاقات العامة في هذا الكون ويمثل الإنسان المحور الرئيس فيه ويتعرض لكل مناحي حياة الانسان ويتناول تفاصيلها، كما أنه يحدد المواقف تجاه كل القضايا، ولا يختص بجماعة من الناس دون أخرى، بل يتكفل مسيرة الانسانية، حاضرها ومستقبلها. “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا” (الاسراء 9). “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا” (الإسراء 83). “ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين” (النحل 89). وهذا المنهج الصحيح هو الذي يعبر عنه القرآن الكريم في مواضع عديدة بالصراط المستقيم، والذي يمثل الطريق إلى الكمال الانساني، وتمام النعمة للبشرية، ومنتهى طموحاتها وآمالها: “اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين” (الفاتحة 6-7). “قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين” (الأنعام 161). “إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم” (النحل 120-121).
جاء في كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: القرآن وتشخيص الهدف من نزوله: قد يكون من الأفضل الرجوع إلى القرآن الكريم نفسه لتشخيص الهدف من نزوله، ومن خلال استعراض الآيات القرآنية التي فسرت نزول القرآن. وفي مراجعة للقرآن الكريم نجد مجموعة كبيرة من الآيات والظواهر يمكن أن تلقي الضوء على الهدف من نزول القرآن، ولكن هذه الآيات قد تبدو وكأنها تتحدث عن أهداف متعددة أو مختلفة، وسوف نشير إلى نماذج من هذه الآيات والاحتمالات المتعددة لها، ثم نستخلص من خلال المقارنة الهدف الرئيسي المركزي من نزول القرآن: 1 – ورد في القرآن الكريم بصدد تشخيص الهدف أنه جاء (للإنذار والتذكرة) مثل قوله تعالى: “وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ” (الأنعام 19). 2 – وفي آيات أخرى جاء القرآن لضرب الأمثال والعبر والدروس مثل قوله تعالى: “ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل” (الإسراء 89). “ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل” (الزمر 27). 3 – وفي مكان آخر يبدو وكأن الهدف من القرآن هو إقامة الحجة والبرهان والمعجزة، كما في قوله تعالى: “وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا” (الأنعام 155-156). “يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا” (النساء 174). 4 – وفي مواضع أخرى يبدو القرآن وكأنه كتاب دستور وشريعة وتفصيل للأحكام: “ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين” (النحل 89). 5 – وفي مواضع أخرى من القرآن الكريم أنه جاء من أجل الحكم وفصل الخلاف والتفريق بين الحق والباطل: “وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون” (النحل 64). 6 – كما نجد في مواضع أخرى أن الهدف من القرآن هو تصديق الرسالات السابقة و إمضائها وتصحيحها والهيمنة عليها، وبذلك يكون له دور تصحيحي وتكميلي: “وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون” (المائدة 48). وبالرغم من أن هذه الاهداف التي أشرنا إليها قد تكون متداخلة يؤثر بعضها بالآخر ويرتبط به في وجه من الوجوه، إلا أنها تبدو متعددة عندما تطرح في الآيات الكريمة، ونريد أن نفسر الظاهرة القرآنية ونسعى إلى تشخيص الهدف الأساس لها، بحيث يفهم أن القرآن الكريم جاء لتحقيق غايات وأهداف عديدة، تتوزع على آيات القرآن وسوره ومضامينه. ومن أجل أن نكون أكثر وضوحا في تحديد محور البحث لا بد لنا أن نطرح السؤال كالتالي: ما هو الهدف الأساس الذي سعت الظاهرة القرآنية الكريمة إلى تحقيقه من خلال وجودها، بحيث يفسر لنا هذا الهدف كل آية في القرآن الكريم مهما كان مضمونها ومحتواها وصيغتها؟ ومن خلال استعراض الاهداف السابقة والمقارنة بينها، يمكن أن نخرج بنتيجة واضحة للجواب عن السؤال السابق، حيث نلاحظ أن القرآن الكريم استهدف من نزوله تحقيق هدف واحد رئيس، له أبعاد ثلاثة، وساهمت بقية الاهداف الأخرى بشكل أو بآخر في تحقيق هذا الهدف الرئيس. بل أشار القرآن الكريم أحيانا إلى هذه المساهمة والترابط بين هذا الهدف الرئيس وبقية الأهداف كما سنلاحظ ذلك فيما بعد. وهذا الهدف الرئيس هو إيجاد التغيير الاجتماعي (الجذري) للانسانية، من خلال رسم (الطريق والمنهج) لهذا التغيير، و (خلق القاعدة الثورية) التي تميزت بهذا المنهج والتزمت وتغيرت على أساسه.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل