الجمعة 29 . 05 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي
يقف الفكر الإنساني على مفترق دائم بين ميلين: ميل إلى الإستقلال الوجودي، وميل إلى الإنغماس في البنية الجمعية. وفي ظن الكثيرين أن الفلسفة بوصفها أم العلوم وأرقى درجات التأمل، تقف في معزل عن هذا الصراع، كأنها قلعة حصينة لا يصل إليها دخان الجموع. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير وأكثر دهاء. فالفلسفة نفسها وبتاريخها الطويل وصراعاتها الميتافيزيقية، لم تخل من هذا الميل الجمعي، بل ربما كانت في بعض محطاتها أكثر انقيادا للجمع من غيرها من حقول المعرفة، لأنها تتعامل مع ما هو أبعد من الحس، وأرقى من التجربة المباشرة، فتصبح أكثر عرضة للتأويل الجمعي والتبني الأعمى.
فمن أعمق الظواهر التي يرصدها علم النفس الإجتماعي ظاهرة التشبث المقدس بالأفكار. وهي ليست مجرد اعتقاد، بل هي حالة وجودية تتجاوز العقل إلى الذات. فالإنسان حين يتبنى فكرة ما في سياق جماعي، لا يتبنى مجرد رأي، بل يتبنى هوية، وينتمي إلى كيان، ويصير جزءا من جسم أكبر منه. وهنا تكمن المفارقة: أن أكثر الأفكار خطورة وأقلها نقدية، هي تلك التي يتم تبنيها في سياقات مقدسة. فالفكر الجمعي لا يحتاج إلى براهين، بل إلى طقوس. ولا يحتاج إلى حجج، بل إلى شعائر. والأخطر من ذلك أنه يحول الفكرة إلى مقدس، فلا يصبح السؤال عنها مجرد شك فكري، بل يصير كفرا وجوديا وخروجا على الجماعة وانسلاخا من الهوية الجمعية.
لطالما تصور الفيلسوف نفسه أو تصوره الآخرون ككائن مستقل، يتأمل في عزلة ويصل إلى الحقائق بقوة عقله المنفرد. لكن هذا التصور يغفل عن حقيقة جوهرية: أن الفيلسوف نفسه منتج لبيئته وابن لزمانه وأسير لأفقه الجمعي.
إن الفلسفة في كثير من أحوالها لم تكن مواجهة بين العقل والوجود، بل كانت حوارا بين الجماعات الفكرية. فالمدارس الفلسفية، بما فيها من تناقضات وصراعات، كانت في جوهرها أحزابا فكرية، لها رموزها ولغتها وطقوسها وحدودها المقدسة أيضا. والإنتماء إلى مدرسة فلسفية لم يكن دائما اختيارا عقليا صرفا، بل كان في كثير من الأحيان إنتماء وجوديا يشبه الإنتماء إلى دين أو طائفة. وهذا ما يفسر قسوة الصراعات الفلسفية أحيانا، وتعنت المدارس مع بعضها البعض. فالخلاف الفلسفي ليس دائما خلافا حول الحقيقة، بل هو في طبقاته العميقة صراع هويات، وتنافس جماعات، ودفاع عن “مقدسات” فكرية.
إن من أشهر المقولات في علم النفس الإجتماعي تلك التي تؤكد أن “الجمع لا يفكر”. وهي مقولة تبدو في ظاهرها إدانة للجمع، لكنها في باطنها إقرار بقانون وجودي: أن الجمع ليس كيانا عقلانيا، بل كيان وجداني يتحرك بالإنفعال لا بالمنطق، ويتفاعل بالرمز لا بالحجة. فالجمع، سواء كان جماعة سياسية أو حزبا فكريا أو حتى مدرسة فلسفية، لا يملك عقلا مستقلا. فعقله ليس مجموع عقول أفراده، بل هو عقل آخر، ينشأ من التفاعل والتأثر والتقمص المتبادل. وهذا العقل الجمعي لا يفكر بالمعنى الدقيق، بل يتفاعل ويتأثر ويندفع ويتبنى. ولهذا، فإن محاولة إقناع الجمع بالحجة العقلية هي محاولة يائسة في أغلب الأحيان. فالجمع لا يقنع، بل يستثار، ولا يفهم، بل يحمس. ولا ينور، بل يستقطب.
التساؤل البديهي هنا: إذا كان الجمع لا يفكر، فكيف يتفاعل؟ الجواب: بالطقوس والرموز. فالجمع يحتاج إلى رموز تجسد أفكاره، وطقوس تعيد إنتاج انتمائه. والأفكار نفسها حين تدخل نسيج الجمع لا تبقى أفكارا مجردة، بل تتحول إلى رموز ثم طقوس ثم إلى مقدس لا يمس. وهنا يمكن رصد ظاهرة مثيرة: أن أكثر الأفكار تأثيرا في التاريخ، لم تكن الأكثر عمقا فلسفيا، بل كانت الأكثر قابلية للتجسد الرمزي والطقسي. فالأفكار البسيطة التي يمكن تلخيصها في شعار، أو ترديدها في هتاف، أو تجسيدها في رمز، هي التي تستوطن الجمع وتتحكم فيه وبه. بينما الأفكار المعقدة، مهما كانت عميقة، تبقى حبيسة الكتب والمحاضرات، عاجزة عن اجتياز حدود الأكاديمية. وبالتالي هل يمكن للفلسفة أن تكون حقا “فكرا حرا”، منفلتا من قيود الجمع؟ الجواب ليس قطعيا. فالفيلسوف مهما بلغت درجة استقلاله لا يمكنه أن ينسلخ كليا من بيئته. فلغته هي لغة جماعته: مفاهيمه موروثة وأسئلته تتشكل في سياق تاريخي محدد. لكن الفرق بين الفيلسوف والجمع ليس في الإنفصال المطلق، بل في الوعي بالإنتماء. فالجمع يعيش في وهم الإستقلال، ويظن أن أفكاره نتاج عقله الحر. بينما الفيلسوف في أحسن أحواله، يعي قيود لغته وانحيازات ثقافته وأفقية تاريخه. وهذا الوعي وحده هو ما يمنح الفكر نوعا من الحرية النسبية، لا الحرية المطلقة.
سأعود هنا إلى السؤال الجوهري: ما هو “الجمع”؟
الجمع ليس مجموعة أفراد. فمجموعة الأفراد وإن بلغت الملايين، لا تصير جمعا إلا حين تتشكل بنية وجدانية مشتركة. والجمع ليس كائنا ماديا يمكن رؤيته أو قياسه، بل هو حالة وجودية، تتجاوز الأفراد دون أن تستقل عنهم تماما. والأهم من ذلك: أن الجمع يملك لاوعيا جماعيا، يشبه إلى حد بعيد اللاوعي الفردي عند التحليل النفسي. فهذا اللاوعي الجمعي يختزن رموزا وطقوسا ومقدسات ومحظورات، تتحكم في سلوك الأفراد دون أن يدركوا ذلك. والفكر الجمعي ليس إذن فكرا سيئا أو متخلفا، بل هو فكر آخر، يتبع منطقا مختلفا عن منطق الفرد العقلاني.
في ختام هذا التأمل، يمكننا الإستناد إلى مقولة تاريخية عميقة، تلخص بإيجاز ما سبق: “آمن ولا تسأل”[2]
هذه المقولة مهما اختلفت تفسيراتها تحمل في طياتها حكمة وجودية عميقة. فالـ”آمن”، ليس مجرد شعور نفسي، بل هو حالة وجودية تتطلب اللاسؤال. والسؤال هنا ليس مجرد استفسار عقلي، بل هو انفتاح على الآخر، وشك في المقدس، وخروج عن الجمع. فالجمع بطبيعته يطلب الـ”آمن”، وال”آمن” يتطلب اللاسؤال. والفلسفة بطبيعتها تبدأ بالسؤال. وهكذا يقف الفيلسوف دائما على حافة صراع وجودي: بين حاجته إلى الإنتماء الجمعي والـ”آمن”، وبين دعوته إلى السؤال والشك. والفيلسوف الحق إن وجد، هو من يحتمل هذا الصراع دون أن يسقط في أحد طرفيه.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فلسفة جديدة، بل فلسفة للتفكير. أي فلسفة تبدأ بالوعي بحدود الفكر، وتدرك أن الفكر ليس دائما منتجا للعقل الفردي، بل هو في كثير من الأحيان منتج للبنية الجمعية. وهذا الوعي لا يعني الإستسلام للجمع، بل يعني القدرة على التمييز: التمييز بين الفكر الذي هو نتاج تأمل حقيقي، والفكر الذي هو نتاج تأثر جماعي. وبين العقل الذي يستند إلى الحجة، والعقل الذي يستند إلى الإنتماء. وبين السؤال الذي يفتح الأفق، والسؤال الذي يعيد إنتاج الجمع. والأهم من ذلك كله: أن ندرك أن “الجهل المقدس” ليس حكرا على الجموع غير المتعلمة، بل هو ظاهرة يمكن أن تستوطن أرقى المدارس الفلسفية، وأعقد النظريات العلمية. فالمقدس ليس في المضمون دائما، بل هو في الطريقة التي نتعامل بها مع المضمون. وحين تصير الفكرة – أي فكرة – لا يسأل عنها، ولا يشك فيها، ولا تُناقش، فقد أصبحت “مقدسة”، وانسلخت من عالم الفكر إلى عالم الجمع. والسؤال الأخير الذي يبقى معلقا: هل يمكن للفكر أن يكون حرا حقا؟ ربما لا. لكن ربما الحرية الحقيقية ليست في الإجابة، بل في السؤال نفسه. والسؤال المستمر، والشك الدائم، والوعي بالقيود، هو أقرب ما يمكن أن نصل إليه من “فكر حر”، في عالم يميل دائما وبقوة الجمع نحو اللافكر.
ختاما: إن الفلسفة الحقيقية ليست ترفا فكريا، بل هي جهد وجودي مستمر، للخروج من أمن الجمع نحو قلق السؤال. وهي ليست نهاية، بل هي بداية دائمة. وليست إجابة، بل هي سؤال لا ينتهي.
[1] أنطولوجيا الجمع: هي دراسة فلسفية لوجود “الجماعة” أو “الكلّ” بوصفه كيانًا يتجاوز مجموع الأفراد المكوِّنين له، وتهتم بكيفية تشكّل الهوية والعلاقات والخصائص داخل التجمعات الإنسانية أو المفهومية
[2] آمن ولا تسأل: عبارة تُشير إلى موقف يقوم على التسليم المطلق بالأفكار أو المعتقدات دون إخضاعها للنقد أو التساؤل العقلي.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل