السبت 30 . 05 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
دعاء هزاع الجابري – اليمن
في العراق ، لا تبدو رئاسة الوزراء منصبا يُبنى عليه مصير وطن ، بقدر ما تبدو واجهة تتبدل أسماؤها بينما يبقى
الجوهر ذاته ثابتا في عمق المشهد ، حيث تتغير الوجوه ، وترفع الشعارات ، وتعلن الوعود في كل دورة سياسية ، لكن البلد يبقى عالقا ضمن الدائرة ذاتها ، دائرة ” إعادة تدوير الفساد ” بصيغ أكثر أناقة وأكثر قدرة على خداع الناس .
الجوهر ذاته ثابتا في عمق المشهد ، حيث تتغير الوجوه ، وترفع الشعارات ، وتعلن الوعود في كل دورة سياسية ، لكن البلد يبقى عالقا ضمن الدائرة ذاتها ، دائرة ” إعادة تدوير الفساد ” بصيغ أكثر أناقة وأكثر قدرة على خداع الناس .إن المشكلة في العراق لم تعد مرتبطة بشخص رئيس الوزراء وحده ، بل بالمنظومة التي تُنتجه بالأساس ، فكل شخصية تنصب على رأس السلطة تبدو وكأنها تدخل إلى مسرح كتبت نهايته مسبقا ، حيث تتحول الإرادة السياسية إلى خيوط تحركها مصالح داخلية متشابكة وأجندات خارجية تجد في العراق ساحة مفتوحة لتصفية النفوذ وتقاسم المصالح ، ولذلك فإن تبديل ” رئيس الوزراء ” من حين إلى آخر لم يعد يُقنع الشارع العراقي بفكرة ” الإصلاح ” ، لأن الناس باتوا يرون أن التغيير لا يمس البنية الحقيقية للحكم بل يعيد تشكيل الخراب نفسه بملامح جديدة
فالفساد يبقى قائما وان تبدلت الأسماء ، مع بقاء الأدوات والعقول والتحالفات ذاتها ، التي قامت على المحاصصة وتقاسم الدولة بوصفها غنيمة لا وطنا ، فلقد تحولت العملية السياسية في العراق مع مرور السنوات إلى إرث ثقيل من التوازنات المشوهة التي أبعدت الدولة عن معناها الحقيقي ، لأن الدولة في حقيقتها ليست مجموعة اتفاقات مؤقتة بين القوى المتصارعة ، وليست توزيعا للمناصب بين الأحزاب ، بل مشروع سيادة وعدالة ومؤسسات تحفظ كرامة الشعب ، لكن ما حدث في العراق هو العكس تماما ، إذ جرى تفريغ مفهوم الدولة من المعنى الفعلي لها ، حتى أصبحت الوزارات ساحات نفوذ وأصبحت السلطة تُدار بمنطق الولاءات لا بمنطق الكفاءة والمسؤولية الوطنية .
وما يزيد المشهد قسوة أن ” العراق ” بكل ما يملكه من تاريخ وثروات وقدرات بشرية ما يزال يُستهلك داخل دوامة سياسية لا تنتج مستقبلا بل تنتج مزيدا من الانهيار البطيء ، فكل حكومة تأتي تعد بالإصلاح ثم تنتهي إلى حماية المنظومة نفسها التي جاءت تحت شعار تغييرها ، ليبقى المواطن العراقي بذلك واقفا بين الخيبة والانتظار ، يرى وطنه يُدار كملف سياسي معقد ، لا كأرض تستحق الحياة ، وإن أخطر ما في هذا المشهد ليس الفساد وحده ، بل اعتياد الناس عليه حتى اصبح جزءا من يوميات الدولة ، وحين يصبح الخراب أمرا مألوفا تبدأ الأوطان بفقدان قدرتها على الحلم .
ولذلك فإن العراق لن ينهض ما دامت السلطة تُبنى على إعادة تدوير الأسماء بدل إعادة بناء الدولة ، وما دام القرار الوطني موزعا بين المصالح والتحالفات والأجندات التي لا ترى في العراق وطنا بقدر ما تراه ساحة للنفوذ ، فالأوطان لا تنقذها الوجوه المؤقتة بل تنقذها الإرادة التي تؤمن بأن الدولة أكبر من الأحزاب ، وأكبر من المصالح ، وأكبر من كل سلطة عابرة .
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل