الجمعة 19 . 06 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
يمكن اعتبار توقيع مذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً بين إيران وأمريكا واحداً من أهم الأحداث السياسية والاستراتيجية في السنوات الأخيرة؛ اتفاق أثار، بغض النظر عن تفاصيله وبنوده، ردود فعل واسعة وغير مسبوقة داخل أمريكا.
ويمكن اعتبار توقيع مذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً بين إيران وأمريكا واحداً من أهم الأحداث السياسية والاستراتيجية في السنوات الأخيرة؛ اتفاق أثار، بغض النظر عن تفاصيله وبنوده، ردود فعل واسعة وغير مسبوقة داخل أمريكا. وما يلفت الانتباه أكثر من أي شيء آخر في هذه الردود، ليس الخلاف حول بنود الاتفاق، بل الاعتراف الصريح من قبل العديد من السياسيين والمحللين والمسؤولين الأمريكيين بالفشل الاستراتيجي لمشروع كان يهدف إلى ممارسة الضغط الأقصى، وتغيير موازين القوى، وفرض الإرادة الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
على مدى العقود الماضية، استند جزء كبير من السياسة الخارجية الأمريكية إلى افتراض مفاده أن التفوق العسكري، والقوة الاقتصادية، والشبكة الواسعة من التحالفات الدولية، تمكن هذا البلد من إجبار أي فاعل على قبول مطالب واشنطن. وقد كان هذا المنظور حاضراً بقوة خاصة تجاه إيران. فمن العقوبات الاقتصادية الواسعة إلى التهديدات العسكرية، والعمليات الأمنية، ومحاولات العزلة السياسية، تشكلت جميعها على أساس أن الضغوط المتصاعدة ستجبر إيران في النهاية على قبول الشروط الأمريكية.
لكن التطورات الأخيرة، وردود الفعل التي تشكلت في أمريكا بعد نشر بنود مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، تظهر أن حتى العديد من النخب السياسية الأمريكية لم يعد يؤمنون بنجاح هذا النهج. واللافت أن هذا التقييم لم يأت فقط من المعارضين التقليديين للحرب أو منتقدي سياسات التدخل الأمريكي، بل اعترف به طيف واسع من الشخصيات السياسية ذات التوجهات المتباينة تماماً.
سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي الأمريكية الأسبق، هي من بين الشخصيات التي تفاعلت مع نتائج هذا المسار بنبرة غير مسبوقة. فقد وصف رايس مذكرة التفاهم الأخيرة بأنها “وثيقة استسلام”، معتبراً إياها نتيجة مباشرة لكارثة استراتيجية. وتكمن أهمية هذه التصريحات في أن رايس شغلت لسنوات أعلى مستويات صنع القرار في الأمن القومي الأمريكي، وهي على دراية كاملة بالحسابات الاستراتيجية لواشنطن. فعندما يصف شخصية مثلها الاتفاق المحقق بأنه نتاج خطأ أمني وطني كبير، فإنه يشير في الواقع إلى حقيقة أن هناك فجوة عميقة ومعنوية بين الأهداف المعلنة والنتائج النهائية.
على الجانب الآخر من الطيف السياسي الأمريكي، يقدم تاكر كارلسون تقييماً مماثلاً، وإن كان بلغة مختلفة وأكثر حدة. فقد اعتبر كارلسون مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا مؤشراً على تراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها على الدول الأخرى، وشبهها حتى بأزمة السويس عام 1956؛ وهي الأزمة التي يعتبرها العديد من المؤرخين نقطة انكشاف نهاية الإمبراطورية البريطانية. ومهما بدت مقارنة كارلسون مبالغاً فيها للبعض، فهي تحمل رسالة مهمة: القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تضمن تحقيق الأهداف السياسية.
وما يجعل هذه التقييمات أكثر أهمية هو تزامنها مع انتقادات واسعة من شخصيات سياسية أمريكية أخرى. فقد انتقدت نيكي هيلي، التي دافعت دائماً عن المواقف المتشددة ضد إيران، تحرير الموارد المالية والامتيازات الاقتصادية الواردة في المذكرة، معتبرة أنها تتعارض مع الأهداف الأمريكية المعلنة. كما أعرب مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي السابق، عن قلقه إزاء النتائج النهائية للاتفاق، مع دعمه للإجراءات العسكرية الأمريكية. ووصف تيد كروز، أحد أبرز الشخصيات الجمهورية ومن الداعمين المتشددين لسياسة الضغط على إيران، المذكرة بأنها اتفاق “غير مدروس”، معتبراً أن بعض بنودها تتعارض مع المصالح الاستراتيجية لأمريكا.
على الجانب الآخر، ينظر كريس مورفي، السيناتور الديمقراطي، إلى الموضوع من زاوية مختلفة ولكنه يصل إلى نتيجة مماثلة. فهو يعتقد أن البنود المنشورة من المذكرة تظهر أن الحرب والضغط العسكري لم يؤديا إلى تحقيق الأهداف الأمريكية فحسب، بل أجبرا واشنطن في النهاية على قبول شروط كانت ترفضها سابقاً. بعبارة أخرى، حتى منتقدو وأنصار سياسات الحكومة الأمريكية متفقون على أن النتيجة النهائية تباعدت بشكل كبير عن التوقعات الأولية.
هذه المسألة تحمل أهمية استراتيجية بالغة. فما يُناقش اليوم، ليس مجرد نجاح أو فشل اتفاق محدد، بل هو اختبار لمصداقية نموذج فكري في السياسة الخارجية الأمريكية. نموذج يقوم على افتراض أن الضغط الاقتصادي، والتهديد العسكري، واستعراض القوة، قادرة على تحطيم الإرادة السياسية للشعوب وإجبارها على الخضوع. وقد كشفت تجارب العقود الأخيرة مراراً حدود هذا النهج، من أفغانستان والعراق إلى لبنان واليمن، حيث تتراكم الأدلة على أن القوة الصلبة وحدها لا تنتج نتائج سياسية مستدامة.
وفي حالة إيران، تتجدد هذه الحقيقة ذاتها. فبلدٌ تعرض لأقسى العقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، والتهديدات الأمنية، لم يتراجع عن مواقفه الأساسية، بل نجح في الحفاظ على مكانته الإقليمية وقدراته الردعية. وبطبيعة الحال، يمكن الجدل حول درجة نجاح أو فشل كل طرف في بنود المذكرة، لكن ما يبرز في ردود الفعل الأمريكية الداخلية، هو الاعتراف بأن استراتيجية الإكراه والفرض لم تحقق الأهداف المرجوة.
لعل أهم درس من هذه التطورات، هو أن الشرعية السياسية، والتماسك الوطني، وإرادة الشعوب، لا تزال من أهم العوامل المحددة في معادلات القوة. فالتاريخ يشهد أن أعتى القوى العسكرية، حين تواجه شعوباً تملك الدافع والهوية والإرادة على الصمود، تصطدم بحدودها. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى المذكرة الأخيرة كأكثر من مجرد اتفاق سياسي أو دبلوماسي، بل كرمز لانهيار وهم قديم، كان يظن أن القوة وحدها قادرة على تغيير إرادة أمة.
وفي المحصلة، ومهما كان مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن، ومهما كان عمر هذه المذكرة، فإن ردود الفعل الداخلية الأمريكية الواسعة تحمل رسالة واضحة. فمعظم السياسيين والمحللين الأمريكيين، رغم خلافاتهم الأيديولوجية والسياسية العميقة، يجتمعون على حقيقة واحدة: مشروع الضغط والمواجهة، كما وعد مصمموه، لم يحقق أهدافه. وهذا الاعتراف، أكثر من أي شيء، يكشف أن وهم فرض الإرادة بالحرب والضغط، اصطدم مرة أخرى بحقيقة صمود أمة عظيمة وقوية، ليصل إلى طريق مسدود؛ ربما يكون أهم رسالة تحملها المذكرة الأخيرة للسياسيين الأمريكيين والرأي العام العالمي.
المصدر / مهر للانباء
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل