السبت 19 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
تداعيات الحرب الأخيرة في المنطقة أظهرت هشاشة الاقتصاد العراقي المرتبط بالنفط، ما يدفع بغداد إلى البحث عن مصادر بديلة للإيرادات، وفي مقدمتها تنمية السياحة الدينية عبر تسريع مشروع الربط السككي بين البصرة وشلامجة.
وكالة مهر للأنباء: إنّ اعتماد موازنة العراق بنسبة تزيد عن 90% على الإيرادات النفطية جعل هذا البلد عرضة للتحولات الإقليمية والاضطرابات في مسارات تصدير الطاقة. لقد أظهرت تجربة الحرب بين إيران وأمريكا والقيود المفروضة على حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز أن بغداد بحاجة إلى تطوير الإيرادات غير النفطية أكثر من أي وقت مضى، وفي هذا السياق، فإنّ تطوير الخط السككي البصرة- شلامجة الذي سيؤدي إلى تسهيل دخول السياح الدينيين يمكن أن يعوض جزءاً من هذا الفراغ في الإيرادات.
يعتمد اقتصاد العراق منذ سنوات طويلة على عائدات النفط. حيث يوفر النفط أكثر من 90% من الموازنة العامة للبلاد, وهذا الاعتماد جعل اقتصاد بغداد عرضة للخطر أمام انخفاض الصادرات والاضطرابات في مسارات نقل الطاقة. وتتجلى أهمية هذا الموضوع بشكل أكبر عندما نعلم أن الجزء الأكبر من صادرات النفط في العراق يتم عبر المحطات الجنوبية والمسار البحري في الخليج الفارسي.
تجربة انسداد مضيق هرمز بسبب انعدام الأمن الناجم عن العمل العسكري المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل وكذلك التدابير الأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لمنع عبور السفن المعادية، أظهرت هذه الهشاشة بشكل عملي. بحسب التقارير، قبل بدء الاشتباكات الأخيرة بين إيران وأمريكا، كان العراق يصدر يومياً نحو 3.5 مليون برميل من النفط الخام، وكان أكثر من 3.3 مليون برميل منها يُحمّل من البصرة وينقل عبر مضيق هرمز. بين شهري آذار وحزيران 2026 انخفضت صادرات النفط العراقية بأكثر من 85%, وتراجع الدخل النفطي الشهري لهذا البلد من نحو 7 ميليار دولار إلى أقل من 1.5 ميليار دولار. [1]
هذا الانخفاض في الصادرات ليس مجرد مسألة تجارية. يعتمد اقتصاد العراق بدرجة كبيرة على إيرادات النفط لدفع رواتب موظفي الدولة، والمعاشات التقاعدية، والخدمات العامة، وتغطية النفقات الجارية. لذلك، يمكن أن يتحول أي اضطراب في صادرات النفط بسرعة إلى أزمة مالية واقتصادية. على سبيل المثال، يقدَّر إجمالي الرواتب الشهرية لموظفي الحكومة، والمتقاعدين، وشبكة الضمان الاجتماعي في العراق بنحو 8 تريليون دينار (ما يعادل 5 ميليار دولار), وأدّى الانخفاض الحاد في إيرادات النفط نتيجة إغلاق مضيق هرمز إلى خلق أزمة سيولة حادة في البلاد.[2]
تدرس حكومة بغداد مسارات مثل جيهان تركيا وغيرها من الممرات لتخفيف الضغط القائم، لكن النقطة المهمة هي أن حتى إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط لا يمكنه إزالة هذه الهشاشة بالكامل. وقد أكد علي الزيدي, رئيس وزراء العراق, أيضا بالإشارة إلى أزمة مضيق هرمز أن الخيارات البديلة لتصدير النفط مؤقتة ومحدودة. [3]
لذلك, لا تكمن المشكلة الرئيسية في العراق فقط في إيجاد مسار بديل لبيع النفط; بل يجب على بغداد أن تسعى بجدية إلى تقليل اعتماد الميزانية على النفط وزيادة الإيرادات غير النفطية. يمكن لهذه السياسة أن تجعل اقتصاد العراق أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات الأمنية والجيوسياسية.
إحدى أهم القدرات التي يملكها العراق لتنمية الإيرادات غير النفطية هي السياحة. يمتلك العراق إمكانات واسعة في المجالات التاريخية والثقافية, ولا سيما الدينية. تستقبل مدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء سنوياَ ملايين الزوار من داخل هذا البلد وخارجه. وفي هذا السياق, تتمتع السياحة الدينية, بفضل وجود الأماكن المقدسة وإقامة مناسبات مثل الأربعين, بقدرة خاصة على التحول إلى نشاط اقتصادي مستدام.
لا تعني السياحة الدينية فقط دخول الزائر وتحصيل رسوم الإقامة. يمكن لوجود السياح أن يفعّل مجموعة من الأنشطة الاقتصادية; من النقل والفندقة إلى المطاعم والمتاجر والحرف اليدوية والخدمات البلدية. لذلك, يمكن لتطوير السياحة الدينية أن يخلق فرص عمل وأن يوفّر أيضا مصادر دخل جديدة للقطاع الخاص وحكومة العراق.
ومع ذلك، فإن مجرد امتلاك أماكن دينية لا يكفي وحده لتحويل العراق إلى وجهة سياحية كبرى. فالسائح قبل الوصول إلى الوجهة يحتاج إلى شبكة نقل, ومسارات آمنة, وسريعة, ورخيصة. وكل ما انخفضت كلفة ووقت الوصول إلى المدن المقدسة, زادت أيضاً قدرة العراق على جذب الزائر الأجنبي.
في هذا السياق, يمكن أن يؤدّي الربط السككي بين إيران والعراق عبر مسار البصرة-شلامجة دوراً يتجاوز نقل الزائرين. فهذه الخطوط الحديدية, في حال اكتمالها, يمكن أن تربط إيران عبر شلامجة بشبكة السكك الحديدية العراقية, وتوفر مسار وصول بالقطار إلى البصرة ثم إلى المدن المقدسة في العراق. وإلى جانب الزائرين الإيرانيين, يمكن لخط شلامجة-البصرة أن يكون منفذاً لدخول زائرين من باكستان وأفغانستان, لأن خطوط السكك الحديدية في إيران متصلة بأفغانستان وباكستان, ويبلغ مجموع سكان هذين البلدين من الشيعة نحو 50 مليوناً.
وبحسب التقارير, فإنّ إنشاء خط شلامجة-البصرة السككي لا يحتاج سوى إلى ۳۳ كيلومتراً من مدّ القضبان, وبناء جسر متحرك بطول ۸۰۰ متر فوق شط العرب, و ۱۶ كيلومتراً من إزالة الألغام. وتتولى إزالة الألغام والتعهد ببناء الجسر المتحرك الجهة الإيرانية, بينما يقع مدّ القضبان على عاتق الطرف العراقي. وقد أُنجزت إزالة الألغام من هذه التعهدات, كما وصل بناء الجسر المتحرك إلى مرحلة 60 في المئة. والطرف الإيراني ينفذ التزاماته, لكن الحكومة العراقية لم تتحرك بالسرعة المطلوبة في تنفيذ التزاماتها, وهي تملّك أراضي مسار الـ33 كيلومتراً وبناء الخط الحديدي, ومن الضروري أن تنجز هذا الجزء من المشروع في أسرع وقت ممكن.
وفي مثل هذه الظروف, يمكن أن يكون تطوير البنية التحتية هو حل بغداد لزيادة الإيرادات غير النفطية. فخط البصرة_شلامجة السككي يعد أحد المشاريع التي يمكن أن تحقق هدفين في آن واحد؛ الأول, تسهيل ارتباط العراق بالدول المجاورة مثل إيران وباكستان وأفغانستان, والثاني, تهيئة الظروف لتنمية السياحة الأجنبية.
[2]– https://farsnews.ir/Emoazeni/1785912954094064563/جنگ-آمریکا-میلیون-ها-عراقی-را-بدون-حقوق-گذاشت
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل