الجمعة 18 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
تصبح الحروب عادة خطيرة عندما تكون نهايتها أكثر تعقيداً من بدايتها. بدأت حكومة ترامب الحرب مع إيران متصورة أن التفوق العسكري الأميركي يمكن أن يغيّر المعادلة في فترة قصيرة، لكن بعد سبعة أشهر، لم تعد مسألة واشنطن مجرد حجم الأضرار التي لحقت بإيران؛ بل لماذا لم jتمكن القوة العسكرية من إنهاء الحرب.
وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية:
وقد وضع تقرير جديد لمجلة “نيشن” الأميركية إصبعه بالضبط على هذا التناقض. ويعتقد ديفيد فاريس، كاتب هذه المجلة، أن ترامب يبدو أنه فقد اهتمامه بالحرب على إيران، لكن الحرب ما زالت “مهتمة” بترامب بشكل آخر؛ أي أن تداعياتها لا تسمح للرئيس الأميركي بإغلاق ملف الحرب بسهولة والانتقال إلى مسألة أخرى. ومن وجهة نظر هذا التقرير، فإن أميركا تفقد السيطرة على المسار الذي بدأته بنفسها، وأن استمرار الصراع وعدم استقرار المنطقة والضغط الاقتصادي زادت من تكاليفه.
وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأن ساحة المعركة وحدها ليست المحدد في الحروب. ففي بعض الأحيان تتحول الحرب بالنسبة لمصمميها إلى مشكلة عندما تتجاوز آثارها الميدان العسكري لتنتقل إلى الاقتصاد والسياسة الداخلية والعلاقات مع الحلفاء والمصداقية الدولية. وفي مثل هذه الظروف، حتى لو حقق أحد الطرفين نجاحات في بعض العمليات العسكرية، فقد يظل عاجزاً عن فرض النتيجة السياسية التي يريدها.
وقدّم تقرير “فورين بوليسي” في 17 سبتمبر صورة قريبة من هذا الوضع. فقد كتبت هذه المجلة، استناداً إلى تصريحات غريغوري برو، خبير شؤون إيران في مجموعة أوراسيا، أن الأهداف الرئيسية لأميركا لم تتحقق منذ بداية الحرب. وفي الوقت نفسه، يؤكد هذا التقرير أن أميركا حققت مكاسب عسكرية خلال الحرب؛ لذا فالنقاش ليس حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على توجيه ضربات قاسية، بل المسألة هي الفجوة بين القدرة العسكرية والنتيجة الاستراتيجية. وربما تكون هذه الفجوة هي الجزء الأهم في القصة.
فالقوة العسكرية لا تكتسب قيمة استراتيجية لحكومة ما إلا عندما تتمكن من تحويلها إلى نتيجة سياسية. وقد تمكنت أميركا من استهداف أهداف متعددة داخل إيران، وإلحاق الضرر بالبنى التحتية العسكرية والنووية، وممارسة ضغط ثقيل جداً على إيران. لكن إذا كان السؤال الرئيسي لواشنطن، بعد هذه العمليات، لا يزال هو كيف يجبر إيران على قبول مطالبه، فإن الفجوة بين “القدرة على الضرب” و”القدرة على تحديد النتيجة” لا تزال قائمة. وهنا تتحول الحرب من عملية عسكرية إلى فخ استراتيجي.
في بداية الحرب، كان يُتصور أن الزمن في صالح أميركا. فكلما استمرت العمليات، وفقاً للحسابات الأولية، يجب أن يزداد الضغط على إيران، وتُجبر طهران على قبول شروط واشنطن. لكن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة زيادة قدرة أحد الطرفين على المساومة. فإذا تمكن الطرف المقابل من مواصلة الحرب والرد وخلق التكاليف، ومنع الانهيار أو الاستسلام في الوقت نفسه، تتغير المعادلة تدريجياً. وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن يتحول الزمن من أداة ضغط إلى تكلفة.
وتُظهر تقارير أميركية جديدة أن هذا الأمر يحدث إلى حد ما. فقد تحدثت “فورين بوليسي” عن التكاليف الباهظة للحرب على أميركا، والضغط على القوات العسكرية، وتداعياتها على الطاقة، وأكدت أنه رغم الضربات العسكرية الأميركية، لم تتحقق أي من الأهداف الرئيسية لواشنطن. وجاء في التقرير نفسه أن البرنامج النووي الإيراني تضرر، لكن مسألته لا تزال دون حل، وأن أميركا اضطرت إلى نقل جزء من تركيزها إلى الضغط الاقتصادي ومحاولة قطع مسارات إيرادات إيران. وهذا التحول في التركيز هو بحد ذاته مؤشر مهم.
فعندما تبدأ حرب بهدف محدد، لكن أهدافها تتحول بمرور الوقت، فهذا يعني عادة أن النتيجة الأولية المتوقعة لم تتحقق. في البداية كان الحديث عن تغيير سريع لمعادلة إيران؛ ثم أصبحت مسألة إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز أكثر أهمية؛ والآن تحول الضغط الاقتصادي وإضعاف قدرات إيران إلى جزء مهم من الاستراتيجية الأميركية. وتُظهر هذه التحولات أن واشنطن لا تزال تبحث عن نقطة تستطيع فيها تحويل الحرب إلى نتيجة سياسية قابلة للعرض.
وحتى فيما يتعلق بمضيق هرمز، فالمسألة ليست مجرد ممر ملاحي. فبقاء هذا المسار مغلقاً أو مضطرباً أخرج الحرب من كونها نزاعاً ثنائياً بين أميركا وإيران، وحوّلها إلى مسألة تخص الاقتصاد العالمي. وهذا بحد ذاته يكبّر نطاق تكاليف القرار الأميركي؛ لأن أي قرار عسكري جديد يمكن أن تكون له تداعيات على سوق الطاقة والحلفاء الأوروبيين والاقتصاد العالمي.
ومن جهة أخرى، فإن إنهاء الحرب ليس مسألة سياسية سهلة بالنسبة لترامب أيضاً. فالرئيس الذي تحدث مراراً عن انتصار أميركا، إذا وصل في النهاية إلى اتفاق لا يتضمن جزءاً مهماً من المطالب الأولية لواشنطن، فعليه أن يشرح للرأي العام الأميركي لماذا بدأت الحرب بهذه التكلفة، ولماذا النتيجة النهائية بعيدة عن الوعود الأولى. ولهذا السبب يمكن أن تُفرض الحرب على الرئيس، حتى عندما لا يعود لديه الرغبة السابقة في مواصلتها.
في الواقع، يواجه ترامب لغزاً مزدوج الاتجاه. فاستمرار الحرب يمكن أن يخلق تكاليف عسكرية واقتصادية أكبر، ويرفع خطر توسع الصراع؛ وإنهاء الحرب يتطلب اتفاقاً قد يكون بعيداً عن الصورة التي بنتها الحكومة الأميركية عن النصر. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح الخروج السياسي أكثر صعوبة.
وتقرير “نيشن” جدير بالاهتمام من هذا المنظور بالتحديد: فالحرب لم تعد مجرد قرار ترامب بمواصلة العمليات أو إيقافها؛ بل تحولت الحرب إلى مجموعة من التداعيات، جزء منها يتحرك بشكل مستقل عن إرادة الرئيس.
وربما تكون هذه أهم نتيجة للأشهر السبعة الماضية. فقد أظهرت أميركا في هذه الحرب أنها لا تزال قادرة على استخدام قدرة تدميرية هائلة، لكن قدرة التدمير ليست هي قدرة تحديد نهاية الحرب. وقد تمكنت واشنطن من توجيه ضربات قاسية، لكنها لم تتمكن بعد من تحويل تلك الضربات إلى اتفاق سياسي مطابق لأهدافها الأولية. وهنا بالتحديد يمكن الحديث عن هزيمة استراتيجية؛ لا بمعنى تجاهل القدرة العسكرية الأميركية، بل بمعنى الفجوة بين الهدف والنتيجة.
فالحرب التي كان من المفترض أن تجبر إيران على قبول المطالب الأميركية، أصبحت الآن تواجه أميركا نفسها بمسألة صعبة: كيف تنهي حرباً لم تتمكن بعد من خلق النتيجة السياسية التي تتوقعها؟
وبهذا المعنى، ربما يكون الفخ الرئيسي للحرب قد تشكل لا في ساحة المعركة، بل في لحظة نهايتها؛ حيث يجب على ترامب أن يشرح لماذا لم تتمكن القوة العسكرية الأميركية من تحديد نهاية الحرب وفق الخريطة الأولية لواشنطن.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل