السبت 19 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
اظهرت الصور والتقارير المنشورة من القواعد الأمريكية في الخليج الفارسي أن جزءًا من الشبكة التي بنتها واشنطن على مدى عقود للحفاظ على وجودها العسكري في المنطقة قد تعرض لأضرار جسيمة؛ أضرار قد تستغرق سنوات لإصلاحها، وفقًا لبعض التقييمات الأمريكية.
وكالة مهر للأنباء _ لم تقتصر هجمات إيران في الأشهر الأخيرة على تبادل إطلاق النار وتدمير بعض الأهداف العسكرية، بل بدأت آثارها تظهر الآن على البنية التحتية العسكرية الأمريكية في المنطقة. تُظهر الصور والتقارير المنشورة من القواعد الأمريكية في الخليج الفارسي أن جزءًا من الشبكة التي بنتها واشنطن على مدى عقود للحفاظ على وجودها العسكري في المنطقة قد تعرض لأضرار جسيمة؛ أضرار قد تستغرق سنوات لإصلاحها، وفقًا لبعض التقييمات الأمريكية.
في تقرير نُشر في 16 سبتمبر/أيلول، أفادت شبكة ABC News بوقوع أضرار بالغة في العديد من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ونشرت صورًا ومعلومات حصلت عليها من مصادر مختلفة. تُظهر هذه الصور أضرارًا لحقت بمبانٍ وطائرة عسكرية في ثلاث قواعد أمريكية في الكويت وقاعدة واحدة في السعودية. في بعض هذه الصور، تظهر بوضوح آثار الضربات والتدمير على المنشآت العسكرية.
تكمن أهمية هذا التقرير في أنه لم يعد مجرد ادعاء من طرف واحد بشأن حجم الضرر. فقد راجعت ABC صورًا وأدلة مستقلة، ونشرت تصريحات من مسؤول عسكري أمريكي رفيع المستوى. قال مسؤول عسكري لم يُكشف عن اسمه، متحدثًا عن حالة القواعد الأمريكية، إن بعضها قد تضرر “بشكل لا يمكن إصلاحه”، وإن إعادة بنائها، إن قررت واشنطن، قد تستغرق عقودًا. وامتنع البنتاغون عن التعليق على هذه التصريحات وحجم الأضرار عندما سألته قناة ABC.
يُعدّ هذا الجزء من تقرير ABC ربما الأهم في القصة. فعندما يتحدث مسؤول عسكري أمريكي عن “عقود” لإعادة الإعمار، فإن الأمر لم يعد يقتصر على إصلاح بعض المباني أو استبدال بعض المعدات. فالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة عبارة عن مجموعة من مدارج الطائرات، وحظائر الطائرات، ومراكز القيادة، والمستودعات، وأنظمة الاتصالات، ومرافق الدعم، والبنية التحتية اللوجستية. لذا، فإن أي ضرر يلحق بقاعدة ما قد يؤثر على جزء من سلسلة العمليات، وإعادتها إلى حالتها السابقة أكثر تعقيدًا بكثير من إعادة بناء مبنى عادي.
وبالطبع، فإن الصور التي نشرتها ABC تتعلق ببعض القواعد المحددة، ولا يمكن الجزم، استنادًا إليها فقط، بأن جميع أو معظم القواعد الأمريكية في المنطقة خارج الخدمة. مع ذلك، تشير تقارير أخرى إلى أن حجم الأضرار لا يقتصر على هذه الحالات القليلة. ففي تقارير سابقة، رصدت شبكة ABC أضرارًا لحقت بمنشآت أمريكية في البحرين وقواعد عديدة في الكويت باستخدام صور الأقمار الصناعية. وفي التقارير نفسها، رُصدت آثار أضرار في مبانٍ بقاعدة علي السالم، ومعسكر بوهرينغ، ومعسكر عريفجان في الكويت.
كما تُقدّم تقارير رسمية أخرى صورة أشمل لتكاليف هذا النزاع. فبحسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي، بلغت تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران حتى 1 أغسطس/آب 2026 نحو 38 مليار دولار. ويشمل هذا الرقم تكلفة الذخيرة المستهلكة، والمعدات المفقودة، وزيادة ساعات الطيران، والعمليات العسكرية، وتكاليف الوقود. وحذّر مكتب الميزانية أيضًا من أن الاستخدام الواسع النطاق لبعض معدات الدفاع الصاروخي قد يستنزف المخزون الأمريكي لعدة سنوات.
وهذا يعني أن الإنفاق الأمريكي يتجاوز فاتورة واحدة متعلقة بفترة النزاع. فبعض التكاليف مخصصة لمعدات استُهلكت ويجب إعادة تصنيعها أو شراؤها؛ وبعضها الآخر لمعدات وطائرات تضررت أو دُمرت. وبعضها مخصص للبنية التحتية التي يجب إصلاحها أو تحديثها أو إعادة بنائها في بعض الحالات.
وهنا تحديدًا تتضح أهمية القواعد الإقليمية الأمريكية. فعلى مدى عقود، أنشأت واشنطن شبكة واسعة من المنشآت العسكرية في دول مختلفة بالشرق الأوسط. تُمكّن هذه الشبكة الولايات المتحدة من نشر قواتها بالقرب من نقاط حساسة في المنطقة، واستخدام هذه القواعد للدعم الجوي، ونقل المعدات، والتزود بالوقود، والقيادة، والاستطلاع، والعمليات اللوجستية.
في الواقع، لا تقتصر قيمة القاعدة على المباني الموجودة بداخلها؛ بل تكمن قيمتها الأساسية في موقعها الجغرافي ودورها في الشبكة العسكرية الأمريكية. فإذا ما خرجت منشأة ما عن الخدمة لفترة طويلة، تستطيع الولايات المتحدة نقل قواتها ومعداتها إلى مكان آخر، ولكن هذا النقل ليس بالضرورة بلا تكلفة. فقد تطول مسارات الطيران، وتزداد أوقات الاستجابة، وقد تتعرض القواعد المتبقية لضغط أكبر.
من جهة أخرى، سلطت هجمات الأشهر القليلة الماضية الضوء على قضية بالغة الأهمية للولايات المتحدة: أمن القواعد الثابتة في مواجهة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة. وفي تقرير آخر حول إحدى القواعد الأمريكية في الكويت، ذكرت قناة ABC أن بعض البنية التحتية العسكرية لهذه القواعد عرضة لتهديدات جوية جديدة، وأن وجود أنظمة دفاعية متطورة لا يضمن منع جميع الهجمات.
لهذا السبب، من المرجح ألا تقتصر إعادة إعمار القواعد المتضررة على إعادة بناء المباني المدمرة فحسب. فإذا أرادت الولايات المتحدة إعادة بناء البنية التحتية نفسها، فسيتعين عليها على الأرجح إعادة النظر في مدى قوتها، وكيفية نشر القوات، وكيفية حماية الطائرات، ومراكز القيادة والاتصالات، وحتى كيفية توزيع المعدات العسكرية. ومن الطبيعي أن تكون هذه التغييرات أكثر تكلفة وأطول مدة من مجرد الإصلاح.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار ما حدث في القواعد الأمريكية جزءًا من التكلفة طويلة الأجل لهذا الصراع؛ وهي تكلفة لن تُزال حتى مع تقليص العمليات العسكرية أو إيقافها. يتعين على واشنطن استبدال بعض المعدات المستهلكة، وتجديد احتياطياتها الدفاعية، وفي الوقت نفسه اتخاذ قرارات بشأن البنية التحتية العسكرية المتضررة في المنطقة.
والأهم من ذلك، قد تضطر الولايات المتحدة للاختيار بين ثلاثة خيارات: إعادة بناء القواعد نفسها، أو نقل جزء من قوتها العسكرية إلى قواعد أخرى، أو تغيير طريقة نشر القوات في المنطقة. ولكل خيار من هذه الخيارات تبعاته المالية والتشغيلية.
لذا، لا ينبغي النظر إلى الصور التي نُشرت من عدة قواعد أمريكية على أنها مجرد صور لمبانٍ متضررة. فخلف هذه الصور تكمن قضية أكبر: الشبكة التي بنتها الولايات المتحدة من أجل وجود عسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط تواجه اختبارًا خطيرًا في ظل التهديد الصاروخي والطائرات المسيّرة واسع النطاق. والآن، يقع جزء من تكلفة هذا الاختبار على عاتق واشنطن؛ بدءًا من مليارات الدولارات في الإنفاق العسكري واستبدال المعدات، وصولًا إلى إمكانية إعادة بناء أو تغيير جزء من البنية التحتية التي استغرق بناؤها عقودًا.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل