الأحد 20 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبد الرحيم الجرودي / المغرب
ثمة لحظة فارقة في حياة الشعوب التي تولد في ظل الاستبداد، حين يقف المواطن أمام صندوق اقتراع، ممسكا ورقة مزركشة، يدرك في قرارة نفسه أن ما بين يديه ليس أداة تغيير بقدر ما هي طقس من طقوس الخضوع، مقنع بلغة الحداثة. يلقي الورقة، يخرج، لتكمل ماكينة الإشراف دورتها كما أريد لها أن تكمل.
هذه المفارقة بين شكل الديمقراطية ومضمونها، هي ربما أعمق معضلة تعتمل في الوجدان السياسي العربي اليوم. ليست أيديولوجية بالمعنى الضيق، بل هي معضلة وجودية في صميمها.
سؤال: كيف يتعامل الإنسان مع أدوات صممت، أو أُريد له أن يعتقد أنها صممت لتحريره، حين توظف بدقة محبكة وباردة لتكريس أسره.
لم تصل الديمقراطية إلى المنطقة العربية حاملة بذورها الأصيلة من التجربة الإغريقية أو من ميراث الأنوار الأوروبي. لقد وصلت في معظم أحوالها بوصفها مطلبا وظيفيا فرضه النظام الدولي على أنظمة كانت أصلا من صنعه في إطار استعارة استعمارية. فدولة تجري انتخابات، تحصل على شرعية دولية، تفتح أمامها الأسواق، تضخ إليها القروض، ويسبغ على قادتها لقب الحلفاء الموثوقين. الديمقراطية، في هذا السياق، لم تكن غاية، بل لغة دبلوماسية ومفتاح لباب الشرعية الخارجية لا الداخلية.
القوى الكبرى ذات المصلحة في استقرار المنطقة على شروطها دأبت على دعم أنظمة تجيد أداء هذا الطقس دون أن تسمح بعواقبه. أنظمة تنظم انتخابات لا تفضي إلى تداول السلطة، وتقر دساتير تقيد ما تعلن حمايته، وتتيح حرية التعبير بالقدر الذي يشيع وهم التعددية دون أن يهدد قواعد اللعبة. هذا التحالف بين الاستبداد المحلي والوصاية الخارجية ليس نظرية مؤامرة، هو سجل موثق تكشفه وثائق الدبلوماسية الدولية، وتفصح عنه مآلات (الربيع) العربي حين انتهى في أغلب محطاته إلى ما انتهى إليه.
في قلب هذه الإشكالية يقف المواطن العربي في وضعٍ شبيه بما استحضره كافكا في قصته (أمام القانون)، يعلم أن ثمة بابا، وأن البواب قائم على حراسته، ويمضي عمره ينتظر إذنا بالدخول، إذن لن يأتي لأنه لم يُعدَّ له من الأصل.
المشاركة السياسية في ظل هذه الأنظمة مطوقة بتناقضات تكاد تعجز العقل. إن شاركت أضفت شرعية على بنية تستخدمك وقودا، وإن قاطعت منحت الفائز فوزا بلا منازع. المعارضة المسموح بها تزين الواجهة فحسب، والصوت المسموع هو الصوت الذي لا يزعزع الأساس. والأشد إيلاما أن الفشل يحمل للمواطن لا للنظام، فيقال له إنه غير ناضج سياسيا، غير مستعد للديمقراطية، محتاج لمزيد من الوصاية. وهكذا يتحول عجز المنظومة إلى تهمة تلصق بضحيتها.
لفهم أعمق، لا بد من النزول تحت طبقة السياسة إلى ما هو أقدم منها وأثبت: الخوف المؤسس. الأنظمة الشمولية لا تحكم بالقوة المادية وحدها، الأجهزة والسجون والقوانين الاستثنائية، بل تحكم بإعادة تشكيل الخيال الجماعي ذاته. تزرع في وعي المجتمع قناعة بأن التغيير مستحيل أو مكلف إلى حد لا يحتمل، وأن ما هو قائم، مهما كان، أهون مما قد يأتي. الفوضى تستحضر كشبح مروع، والبديل يصور دائما على أنه هاوية. هذه الهندسة النفسية أشد فتكا من الهراوة، لأنها تجعل المحكوم شريكا في صياغة أغلاله.
وحين تتقاطع هذه الهندسة مع التبعية للخارج، تتضخم وتتعقد. المواطن يرى نظامه يستقبل في المحافل الدولية ويصافح في العواصم، يشاد به على المنابر وتعاد هيكلة ديونه في مقابل إصلاحات لا تمس السلطة، بل تمس الخبز وقوته اليومي، ليستيقظ على نوع من الوحدة الكونية: لا نظامه معه، ولا العالم.
السؤال الأكثر إلحاحا والأشد مرارة: هل ثمة معنى للمشاركة؟
ثمة من يقول: المشاركة، حتى في انتخابات مقيدة هو تفاوض على الهامش لا استسلام فيه. الهامش الضيق أفضل من العدم. البلديات والنقابات والمجالس المحلية والصحافة الممكنة، ليست زخارف زائفة بالكامل، بل فضاءات يمكن فيها بناء الكفاءة وتراكم التجربة واختبار الوعي الجمعي. الحرية لا تولد كاملة؛ تتشكل في مسامات صغيرة، ببطء يشبه نمو الشجرة في أرض صخرية.
وثمة من يرى أن المشاركة في لعبة مزورة القواعد هي اشتراك في التزوير، وأن كل صوت يلقى في صندوق أعدت نتيجته مسبقا يضيف طبقة من الشرعية على بنية تستحق السقوط. المقاطعة، من هذا المنطلق، رفض فلسفي له قيمته الرمزية بمعزل عن حساباتها العددية.
الجدل حقيقي، والحجتان تمتلكان قوة لا تختزل. لكن ثمة ما يتجاوزهما معا. ربما الخطأ الأعمق هو أن المشاركة السياسية اختزلت في فعل التصويت وحده. وهي أوسع بكثير. هي في النقاشات التي تشكل الرأي العام قبل أن تصل إلى الشارع، وفي الكتابة التي تعيد تعريف ما يبدو ممكنا، وفي التضامن الاجتماعي الذي ينشئ بنى حية موازية لبنى الدولة المجوفة. هي في المجتمع المدني الذي يشتد كلما ضيقت مساحته الرسمية، وفي حفظ الذاكرة الجماعية من إعادة الكتابة، وفي قول (لا) حتى في غرفة مغلقة وبصوت لا يسمع خارجها دون أن يستسلم.
الشعوب التي أسقطت أنظمتها لم تفعل ذلك بقرار اتخذ في صباح واحد. فعلت ذلك حين تراكمت سنوات من الوعي الصامت، ومن الرفض الهادئ الثابت لتطبيع اللاعدالة بوصفها قدرا محتوما.
في نهاية المطاف، ربما أشد أشكال المشاركة السياسية ثورة في ظل الاستبداد، هي الأقل ضجيجا، هي الإصرار على الكرامة الشخصية داخل منظومة تريدك أن تتنازل عنها كل يوم بثمن. أن ترفض التملق، أن تسمي الأشياء بأسمائها في حديثك الخاص، أن تربي أبناءك على قيمة لا تباع، أن تحمل في داخلك صورة للوطن لا تطابق ما تراه في الواقع، هذا بالمعنى الأعمق فعل سياسي خالص.
المستبد يعرف هذا. لذا لا يكتفي بملاحقة المعارض الصريح، بل يسعى إلى اجتثاث هذه الصورة الداخلية من جذورها، وتحويل المواطن من كيان ينتج معنى إلى جهاز ينتج خضوعا. ودور الوعي الفلسفي قبل السياسي، هو استعادة ذلك المعنى، وحراسته، وتناقله كالجذوة في الريح: خافتة، لكنها تكفي …
*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل