الأحد 20 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب معركته الطويلة ضد الصحفيين ووسائل الإعلام بمنعهم من التغطيات في القصر البيضاوي، وحجته الدائمة أنها “تنشر الأكاذيب” بينما يجادل الصحفيون بأن ساكن البيت الأبيض “منتهك لحرية الصحافة بالتخصص” معتمدين في ذلك على الضمانات القانونية الراسخة في التعديل الأول للدستور.
ويمثل قرار الرئيس -حظر دخول صحفيين من شبكتي “سي إن إن” و”إم إس ناو” بالإضافة إلى موقع “بوليتيكو” إلى البيت الأبيض- أحدث فصول هذه المعارك، لكنها تؤشر هذه المرة على تصعيد قانوني قد يصل مداه إلى المحكمة العليا، مع تهديد الصحفيين بتحريك دعاوى قضائية.
يقول سيث ستيرن، رئيس قسم الدعم في “مؤسسة حرية الصحافة” إن “نطاق التعديل الأول للدستور يشمل حرم البيت الأبيض بقوة تضاهي، إن لم تفق، أي مكان آخر تقريبا، فهو بيت الشعب ومركز الحكومة”.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتحول فيها التعديل الأول للدستور إلى ساحة معركة رئيسية يتحصن بها الصحفيون في مواجهتهم لمحاولات السيطرة والإخضاع سواء في المؤسسات الاتحادية في واشنطن أو في حكومات الولايات.
“نير ضد مينيسوتا”
يقر التعديل الأول للدستور بأنه “لا يجوز للكونغرس سن أي قانون يتعلق بفرض دين ما، أو يحظر ممارسته بحرية، أو ينتقص من حرية التعبير أو حرية الصحافة، أو من حق الشعب في التجمع السلمي ومطالبة الحكومة بإنصافهم من المظالم”.
وفي الواقع تعيد معارك ترمب إلى الواجهة علاقة السلطة بالصحافة في معاركها الأولى بالولايات المتحدة، وهي معارك كان يعتقد أن القضاء والدستور قد فصلا فيها نهائيا.
وتقفز إلى الأذهان بالتحديد قضية “نير ضد مينيسوتا” الشهيرة عام 1931 والتي ينظر لها على نطاق واسع كإحدى ركائز حرية الصحافة في الولايات المتحدة، وهي القضية التي احتكمت فيها المحكمة العليا إلى التعديل الأول للدستور لإجهاض خطوة الحكومة والقضاء في الولاية بغلق صحيفة “ذو ساترداي برس” الشعبية، مستندة في ذلك إلى حجة منع “الرقابة المسبقة” المضمنة بالتعديل.

لكن رد فعل المدعي العام في مقاطعة هينبين بولاية مينوسوتا كانت المطالبة بإغلاق الصحيفة، استنادا الى “قانون الازعاج العام” الذي يتيح لسلطات الولاية صلاحية إغلاق أي صحيفة أو دورية تعتبرها “مسيئة أو فاضحة” وهو إجراء نقضته المحكمة العليا باعتباره تقييدا مسبقا مخالفا للدستور.
وبالعودة إلى السجلات، جاء في تعليل رئيس المحكمة القاضي تشارلز ايفانز هيوز للقرار، بأنه لا يجوز للحكومة منع الصحافة من النشر، مشددا على أن “حرية الصحافة والتعبير تندرج ضمن الحريات التي يكفلها بند الإجراءات القانونية الواجبة بالتعديل رقم 14 للدستور، والتي تحميها من أي انتهاك من جانب الدولة”.
ولم يكتفي هيوز بالتعليل بل أعاد صياغة التعريف المرجعي لرجل القانون الإنجليزي المعروف وليام بلاكستون، لحرية الصحافة على ضوء التعديل الأول للدستور.
وفي كتابه “شروح قوانين إنجلترا” يعرف بلاكستون حرية الصحافة بأنها “عدم فرض أي قيود مسبقة على المنشورات” في حين يعتبر هيوز، في معرض إشارته إلى قانون “الإزعاج العام” بولاية مينيسوتا، أنه يمثل “جوهر الرقابة”.
وكتب القاضي هيوز أيضا أن فرض قيود مسبقة على المطبوعات التي تتناول المسؤولين العموميين يتعارض مع “قناعة راسخة بأن مثل هذه القيود تنتهك الحق الدستوري”.

التعديل رقم 14
بشكل عام كانت القضية منطلقا لترسيخ تفسير مستجد لمصطلح “الحرية” استنادا إلى “الإجراءات القانونية الواجبة” في التعديل الـ14 للدستور بطريقة تفرض على الولايات قيدا فدراليا غير مسبوق.
وبخلاف ضمانات التعديل الأول، يحظر التعديل الـ14 من الدستور على أي ولاية أن “تسن أو تنفذ أي قانون ينتقص من امتيازات مواطني الولايات المتحدة أو حصاناتهم، كما لا يجوز أن تحرم أي شخص من الحياة أو الحرية أو الملكية دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، أو أن تحرم أي شخص خاضع لولايتها من الحماية المتساوية التي يكفلها القانون”.
ومع أن قضية “نير ضد مينيسوتا” لم تضع حدا نهائيا للصراع الجدلي بين حرية الصحافة وقيود السلطة بالولايات المتحدة، فإن المحكمة العليا لم تحد عن الأسس الدستورية الضامنة لحرية الصحافة، وهو أمر تكرر بوضوح بعد عقود في دعوى قضائية تقدمت بها صحيفة “نيويورك تايمز” ضد البيت الأبيض تحت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون في ما يعرف بقضية “أوراق البنتاغون” عام 1971، وجهت فيها اتهامات لإدارة الرئيس بتضليل الرأي بشأن الحقائق المرتبطة بحرب فيتنام.
ولم يفلح البيت الأبيض في دعواه القضائية آنذاك في منع “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” من النشر بحجة حماية الأمن القومي، حيث عادت المحكمة لتثبيت علوية التعديل الأول للدستور الذي يضمن حرية الصحافة ويحظر الرقابة المسبقة على النشر.
معارك لا تنتهي
لكن معارك البيت الأبيض مع الصحافة لا تنتهي حتى اليوم في ظل اتساع المخاوف من تمدد صلاحيات السلطة التنفيذية بطريقة فجة. ويخشى مراقبون من مساع محمومة لترمب بتحويل صداماته الطويلة مع الإعلام إلى حملة واسعة للسيطرة على الخطاب العام، مستخدما وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة الحرب والهيئات التنظيمية والدعاوى القضائية.
وتعكس سوابقه المتكررة مع الصحفيين واقعا أكثر إثارة للجدل في تاريخ الصحافة المعاصرة بالولايات المتحدة وعلاقتها بالبيت الأبيض. ومن أبرز تلك السوابق حتى الآن:
- مهاجمة الرئيس ترمب صحفيين وذكر أسمائهم ورفع دعاوى قضائية بصفته الشخصية ضد مؤسسات إخبارية.
- إلغاء نظام يحدد هوية المراسلين المسافرين على متن الطائرة الرئاسية كان يخضع في السابق لـ”رابطة مراسلي البيت الأبيض”.
- فرض البنتاغون مع وزير الدفاع بيت هيغسيث قواعد وقيود على الصحافيين يمنعهم من دخول معظم أرجاء المنشأة.
وقد يقابل تصعيد البيت الأبيض هذه المرة بتصعيد مماثل من الصحافة، مما يعيد المعارك التاريخية للمربع الأول، حيث أعلنت المؤسسات الإعلامية المستهدفة -في بيانات منفصلة- أن اللجوء إلى القضاء الفدرالي أصبح حتميا، مستندة في طعونها المرتقبة إلى التعديل الأول للدستور الذي يحمي حرية الصحافة، ويحظر التمييز ضد الصحفيين على أساس محتوى تقاريرهم.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل
