الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / اليمن وطوفان الأقصى .. حين عبر السيد بالجغرافيا إلى فلسطين

اليمن وطوفان الأقصى .. حين عبر السيد بالجغرافيا إلى فلسطين

الأربعاء 07 . 10 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

لم تكن المسافة بين اليمن ولبنان هي ما يحكم قراءة المشهد، بل كان السيد حسن نصرالله ينظر إلى اليمن من خلف حدود الجغرافيا، ويراه في سياق تحوّلات أوسع كانت تتشكّل في المنطقة، حتى جاءت غزة وطوفان الأقصى ليمنحا تلك الرؤية امتدادها الأكثر وضوحاً، ويحوّلا ما كان يُقرأ بوصفه تحوّلاً إقليمياً إلى واقع يتقدّم على الأرض.

أمل شبيب

لم تكن اليمن قريبة من لبنان، لا جغرافياً ولا في تفاصيل الحياة اليومية، ولا في خريطة الحدود التي يعرفها الناس. بين الجنوب اللبناني والجبال اليمنية مسافات طويلة، وبحر واسع، وبلدان كثيرة.

لكن في قراءة السيد حسن نصرالله للمنطقة، لم تكن الجغرافيا وحدها هي التي تحدد أهمية الساحات. كان ينظر إلى الأحداث من موقعها في المشهد الأكبر، ويتابع كيف يمكن لتطور في بلد بعيد أن يعيد رسم معادلات المنطقة كلها.

لهذا، لم تظهر اليمن في خطابه كملف منفصل عن بقية القضايا الإقليمية. ومع مرور السنوات، أخذت صنعاء تتقدم في المشهد، وتحوّل اليمن من ساحة بعيدة إلى لاعب حاضر في الحسابات الإقليمية.

ثم جاءت غزة

وجاء طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فدخلت المنطقة مرحلة مختلفة تماماً. لم تعد الحرب محصورة في جغرافيا واحدة، ولم يعد المشهد يقتصر على ما يجري داخل قطاع غزة. في اليوم التالي، دخل الجنوب اللبناني على خط المواجهة، وفي اليمن بدأت القوات المسلحة اليمنية خطواتها في إسناد غزة، قبل أن ينتقل هذا الحضور إلى البحر الأحمر.

عندها، بدا أن مساراً كان السيد حسن قد قرأه على امتداد سنوات، يدخل مرحلة جديدة، مرحلة لم تعد فيها الساحات تُقرأ كل واحدة بمعزل عن الأخرى.

اليمن… حين اتصلت الساحة بفلسطين وتكلّمت الجغرافيا بصوت آخر

حين بدأت السعودية حربها على اليمن في آذار/مارس 2015، دخل البلد مرحلة جديدة من المواجهة. وفي 26 آذار/مارس، بدأت العمليات العسكرية التي قادتها الرياض ضمن تحالف عسكري يدخل الحرب اليمنية.

منذ الأيام الأولى، لم يتعامل السيد حسن نصرالله مع ما يجري في اليمن كحدث عابر. وضع الحرب في سياقها الإقليمي، وتحدث عن اليمن وشعبه، وعن حقه في الدفاع عن أرضه وقراره، وجعل من القضية اليمنية جزءاً من المشهد الذي كان يقرأه على امتداد المنطقة.

كان يرى في اليمن أكثر من ساحة حرب 

كان يرى بلداً يخوض معركته، وشعباً يدافع عن أرضه، وساحة تتشكل فيها موازين جديدة.

ومع مرور السنوات، لم يبقَ اليمن على الصورة التي بدأ بها عام 2015. تطورت قدرات القوات المسلحة اليمنية، وتبدلت طبيعة حضور صنعاء، وأصبح اليمن أكثر قدرة على التأثير في المشهد الإقليمي.

وهنا أخذت أهمية اليمن في خطاب السيد حسن تتسع تدريجياً، لا بوصفه ملفاً قائماً بذاته، بل بوصفه جزءاً من تحولات أكبر كانت المنطقة تعيشها.

من صنعاء إلى قلب المشهد

كان اليمن يتغير، ومعه كانت تتغير صورة صنعاء 

ومع مرور السنوات، أصبح اسم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أكثر حضوراً في المشهد الإقليمي، بوصفه قائداً ارتبط بتحولات اليمن وبروز صنعاء كقوة حاضرة في معادلات المنطقة.

لكن أهمية اليمن في حكاية السيد حسن لم تكن في العلاقة مع السيد عبد الملك الحوثي وحدها.

كانت في اليمن نفسه 

في موقعه، وفي خصوصية ساحته، وفي ما راكمته سنوات الحرب من خبرة وقدرات، وفي الطريقة التي أصبح فيها البلد قادراً على الحضور في ملفات تتجاوز حدوده.

وهذا ما جعل اليمن يدخل بصورة متزايدة في قراءة السيد للمشهد الإقليمي.

فلبنان كان له موقعه.

وفلسطين كانت قضيتها 

وسوريا والعراق واليمن وإيران كانت لكل منها ساحتها وظروفها وتجربتها.

لم يكن السيد يلغي الفوارق بين هذه الساحات، بل كان يقرأها ضمن مشهد إقليمي تتقاطع فيه التطورات، وتؤثر فيه التحولات الكبرى في مسار بعضها البعض.

وفي هذه القراءة، اكتسب اليمن وزناً أكبر مع مرور الوقت.

السيد الذي كان يقرأ المنطقة كخريطة واحدة

لم يكن السيد حسن نصرالله يتابع المنطقة من خلال أخبار كل ساحة منفصلة عن الأخرى.

كان يتابع الاتجاهات الكبرى.

ماذا يحدث في فلسطين؟ ماذا يجري في لبنان؟ كيف تتغير سوريا؟ ماذا يحدث في العراق؟ وإلى أين يتجه اليمن؟

ومن خلال هذه الصورة، كان يستطيع أن يربط بين الأحداث التي تبدو متباعدة على الخريطة.

وهنا تحديداً تظهر أهمية اليمن في تجربته السياسية.

فاليمن لم يكن مجرد بلد بعيد في جنوب الجزيرة العربية، بل ساحة تتطور أمام عينيه، وتزداد قدرتها على التأثير في المشهد الإقليمي.

ومع كل تحول، كان موقع صنعاء يتقدم خطوة أخرى.

ثم جاءت غزة لتفتح مرحلة جديدة بالكامل.

7 أكتوبر… حين تغيّر المشهد

في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فتح طوفان الأقصى مرحلة جديدة في الصراع.

وفي اليوم التالي، دخل الجنوب اللبناني على خط المواجهة.

لم يكن ذلك تفصيلاً ثانوياً في الحرب. فقد أصبحت الجبهة الجنوبية جزءاً من المشهد منذ الأيام الأولى، واستمر التصعيد فيها بالتوازي مع الحرب على غزة.

وفي اليمن، بدأت القوات المسلحة اليمنية عملياتها إسناداً لغزة.

هنا حدث التحول الأهم في حكاية اليمن 

فالساحة التي كان السيد حسن يتابع تطورها منذ سنوات، أصبحت موجودة مباشرة داخل المشهد الذي أعاد طوفان الأقصى تشكيله.

لم يعد الحديث عن اليمن منفصلاً عن الحرب في فلسطين، ولم تعد صنعاء حاضرة فقط في سياق الحرب اليمنية.

دخل اليمن مرحلة جديدة من الحضور الإقليمي، مرتبطة مباشرة بالحرب على غزة.

وهكذا، ظهرت نتيجة سنوات من التحولات دفعة واحدة أمام المنطقة.

حين دخل اليمن الحرب من بوابة البحر

كان البحر الأحمر هو المساحة التي أخذ فيها الحضور اليمني شكلاً جديداً.

الموقع الجغرافي لليمن منح صنعاء قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة، فيما كانت القوات المسلحة اليمنية تربط عملياتها البحرية بالحرب على غزة وإسناد الشعب الفلسطيني.

وهنا لم يعد الحديث عن اليمن يدور فقط حول الجغرافيا البرية للحرب.

دخل البحر في المعادلة 

وأصبح باب المندب والبحر الأحمر جزءاً من المشهد الذي فرضته الحرب بعد طوفان الأقصى.

هذه النقلة كانت مهمة في قراءة المشهد الإقليمي، لأنها أظهرت أن تداعيات الحرب لم تبقَ داخل حدود غزة، وأن الساحات التي دخلت على خطها لم تكن متشابهة في أدواتها أو مواقعها.

الجنوب اللبناني كان له ميدانه .

واليمن كان له ميدانه.

وغزة كانت مركز الحرب.

لكن كل ذلك جرى في زمن إقليمي واحد، فرضته أحداث 7 اكتوبر/ تشرين الأول وما تلاها.

من غزة إلى البحر الأحمر… اتساع ميدان الحرب

مع استمرار الحرب، أصبح البحر الأحمر جزءاً ثابتاً من صورة الصراع.

وهنا برز الموقع اليمني بطريقة لم يكن ممكناً تجاهلها.

فاليمن لا يملك حدوداً برية مع فلسطين، ولا يقع في جوار لبنان، لكن موقعه البحري منحه مساحة مختلفة للحضور.

ومن خلال البحر، أصبحت صنعاء قادرة على إدخال أدواتها الخاصة إلى المشهد.

لم يكن ذلك تكراراً لما يجري في الجنوب اللبناني، ولم يكن نسخة عن جبهة غزة.

كان مساراً يمنياً بخصوصيته 

وهذا مهم في فهم رؤية السيد حسن: فهو لم يكن ينظر إلى الساحات على أساس أنها يجب أن تتطابق، بل على أساس أن لكل منها إمكاناتها وموقعها وطريقة حضورها.

ولهذا كان اليمن مهماً.

ليس لأنه يشبه لبنان، بل لأنه مختلف عنه.

وليس لأنه يكرر تجربة الجنوب، بل لأنه يمتلك موقعاً وقدرات وظروفاً تسمح له بأن يكون فاعلاً من زاوية أخرى.

السيد واليمن… أكثر من علاقة بين قائدين

قد يبدو عنوان «السيد واليمن» للوهلة الأولى وكأنه حكاية علاقة بين شخصيتين: السيد حسن نصرالله في لبنان، والسيد عبد الملك الحوثي في اليمن.

لكن الحكاية أوسع من ذلك.

هي حكاية مسارين سياسيين وميدانيين التقيا في قضايا كبرى، وفي مقدمتها فلسطين والقدس ومواجهة الاحتلال.

لبنان ليس اليمن.

وحزب الله ليس أنصار الله.

والجنوب اللبناني ليس صنعاء.

لكل ساحة تاريخها، وخصوصيتها، وتجربتها، وأدواتها.

لكن حضور فلسطين في خطاب السيد حسن جعلها حاضرة في علاقته باليمن، كما جعلت الحرب على غزة عاملاً أساسياً في انتقال هذا التقاطع من الخطاب السياسي إلى واقع إقليمي جديد.

ومن هنا، لا يمكن قراءة موقف السيد من اليمن بمعزل عن قراءته لفلسطين.

ولا يمكن قراءة الحضور اليمني بعد طوفان الأقصى بمعزل عن التحول الذي أحدثته غزة في المنطقة.

طوفان الأقصى… حين دخلت السنوات الماضية مرحلة جديدة

قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان اليمن حاضراً في خطاب السيد حسن، وكانت صنعاء قد راكمت خلال سنوات الحرب تجربة وقدرات وحضوراً متزايداً.

لكن بعد الطوفان، تغيّر موقع هذا الحضور.

غزة أصبحت مركز الحرب.

والجنوب اللبناني دخل المواجهة.

واليمن فتح مساره الخاص في الإسناد.

والبحر الأحمر أصبح جزءاً من تداعيات الصراع.

بهذا المعنى، لم يصنع طوفان الأقصى حضور اليمن من الصفر، بل وضع ما تراكم خلال سنوات في سياق جديد.

وهذه نقطة أساسية.

فما ظهر بعد 7 تشرين الأول لم يكن منفصلاً عن السنوات التي سبقته. اليمن كان قد بنى تجربته، وصنعاء كانت قد رسخت حضورها، والسيد حسن كان يتابع ذلك كله ضمن قراءته لتحولات المنطقة.

ثم جاءت الحرب على غزة، فوضعت هذه التطورات داخل مشهد واحد.

 اليمن جزء من قصة غزة

منذ الأيام الأولى للحرب، أعلن اليمن موقفه من غزة، وتحولت العمليات التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية إلى جزء من المشهد المرتبط بالحرب.

وهنا أصبحت قصة اليمن مرتبطة بصورة مباشرة بطوفان الأقصى.

لم يعد السؤال فقط: ماذا يحدث في اليمن؟

بل أصبح أيضاً: كيف ستتفاعل الساحات الإقليمية مع الحرب على غزة؟

وكانت صنعاء تقدم إجاباتها من موقعها الخاص.

لم تكن تحاول أن تصبح بيروت، ولا أن تحل مكان أي ساحة أخرى.

كانت تتحرك من اليمن.

وهذه الخصوصية هي التي أعطت حضورها معناه.

فالمنطقة لم تدخل مرحلة تتحرك فيها كل الساحات بالطريقة نفسها، بل مرحلة صار فيها لكل ساحة دورها وأدواتها، فيما كانت الحرب على غزة هي الحدث الذي أعاد ترتيب المشهد بأكمله.

السيد وفلسطين… واليمن داخل الصورة

فلسطين لم تدخل فجأة إلى خطاب السيد حسن بعد طوفان الأقصى.

كانت حاضرة فيه منذ سنوات طويلة.

لكن طوفان الأقصى جعل العلاقة بين فلسطين وبقية الساحات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق، ظهر اليمن بصورة مختلفة.

لم يعد حضوره مرتبطاً فقط بحربه الداخلية أو بالصراع الإقليمي الذي كان يحيط به، بل أصبح اسمه مرتبطاً مباشرة بالحرب على غزة وبالمواجهة التي امتدت إلى البحر الأحمر.

وهنا تظهر قيمة السنوات التي سبقت الطوفان.

السيد حسن كان قد تابع صعود اليمن، وتطور قدراته، وتوسع حضوره.

وعندما جاءت الحرب على غزة، لم تبدأ الحكاية من نقطة الصفر.

كانت هناك ساحة جاهزة، وقادرة، وتمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً وأدواتها الخاصة.

حين غاب السيد… وبقي أثر الرؤية

في 27 أيلول/سبتمبر 2024، استشهد السيد حسن نصرالله في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد عدوان واسع نفذه الكيان الإسرائيلي.

كان استشهاده محطة كبرى في تاريخ لبنان والمنطقة.

لكن ما كان قد بناه في خطابه السياسي لم يتوقف عند لحظة غيابه.

اليمن بقي حاضراً في المشهد.

وغزة بقيت في قلب الأحداث.

والبحر الأحمر بقي مرتبطاً بتداعيات الحرب.

أما الرؤية التي تعامل بها السيد مع المنطقة، فلم تكن قائمة على حضور شخصي عابر، بل على قراءة امتدت لسنوات طويلة، وتناولت الساحات باعتبارها أجزاء من مشهد إقليمي متحرك.

لهذا، فإن العودة إلى موقفه من اليمن بعد استشهاده ليست عودة إلى الماضي فقط.

إنها محاولة لفهم مرحلة كاملة كان قد قرأ كثيراً من تحولاتها قبل أن تصل إلى صورتها الحالية.

ماذا بقي من حكاية السيد واليمن؟

بقيت فكرة أساسية: أن اليمن لم يكن بالنسبة إلى السيد حسن مجرد ساحة بعيدة.

كان بلداً يتغير، وقوة تتشكل، وحضوراً يتقدم داخل المنطقة.

وبقيت أيضاً خصوصية العلاقة مع السيد عبد الملك الحوثي، باعتبارها جزءاً من مسار سياسي وإقليمي أوسع، جمع بين قيادات وقوى وساحات على ملفات كبرى.

لكن الأهم أن السنوات التي سبقت طوفان الأقصى لم تكن منفصلة عن المرحلة التي جاءت بعده.

ما حدث في اليمن منذ 2015، وما راكمته سنوات الحرب على صنعاء والشعب اليمني، وما تطور في موقعها الإقليمي، أصبح جزءاً من المشهد الذي ظهر بوضوح بعد 7 تشرين الأول.

وهنا يمكن فهم لماذا كان اليمن حاضراً بهذه القوة في قراءة السيد.

وبعد ثلاث سنوات من طوفان الأقصى…

اليوم، في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى، تبدو العودة إلى هذه الحكاية مختلفة.

ثلاث سنوات مرّت منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وخلالها تبدلت صورة المنطقة.

غزة بقيت في قلب الصراع.

الجنوب اللبناني عاش مرحلة مواجهة طويلة.

واليمن دخل الحرب من موقعه الخاص، وفرض حضوره عبر البحر الأحمر.

وفي الوقت نفسه، استمرت الساحات الإقليمية الأخرى في التفاعل مع تداعيات الحرب.

هذه السنوات جعلت من الصعب قراءة أي ساحة بمعزل كامل عن بقية المشهد.

وهنا تظهر قيمة رؤية السيد حسن بأثر رجعي.

فهو لم يكن يتعامل مع المنطقة باعتبارها مجموعة جزر منفصلة، بل كان يقرأ اتجاهاتها الكبرى، ويتابع كيف يمكن لتحولٍ في ساحة أن ينعكس على أخرى.

والطوفان قدّم المثال الأوضح على ذلك.

حين عبر السيد بالجغرافيا إلى فلسطين

في النهاية، ليست حكاية السيد واليمن مجرد حكاية عن المسافة بين بيروت وصنعاء.

إنها حكاية عن قائد قرأ المنطقة من خلال تحولاتها، وتابع اليمن منذ سنوات الحرب، ورأى فيه ساحة تتقدم تدريجياً داخل المعادلة الإقليمية.

ثم جاءت غزة، فدخلت كل هذه التحولات مرحلة جديدة.

اليمن لم يتحول إلى لبنان.

ولبنان لم يتحول إلى اليمن.

وغزة بقيت غزة.

لكن الحرب كشفت قدرة كل ساحة على استخدام موقعها وإمكاناتها وطريقتها الخاصة في الحضور.

وهنا يصبح العنوان أكثر وضوحاً.

“حين عبر السيد بالجغرافيا إلى فلسطين” لا يعني أن المسافات اختفت، ولا أن الحدود لم تعد موجودة.

بل يعني أن السيد حسن قرأ الجغرافيا باعتبارها جزءاً من السياسة، ورأى كيف يمكن لساحة بعيدة أن تصبح ذات صلة مباشرة بقضية مركزية.

من اليمن إلى البحر الأحمر، ومن الجنوب اللبناني إلى غزة، ظهرت خلال السنوات الأخيرة صورة إقليمية جديدة.

صورة لا تلغي خصوصية الساحات، لكنها تكشف حجم الترابط بينها عندما تهتز المنطقة حول قضية كبرى.

ولهذا، فإن حكاية اليمن في رؤية السيد حسن لا تبدأ بالبحر الأحمر، ولا تنتهي عند صنعاء.

تبدأ من قراءة أوسع للمنطقة، من فلسطين التي بقيت في صلب خطابه، ومن فهمه لتحولات الساحات المحيطة بها.

وبعد ثلاث سنوات من طوفان الأقصى، تبدو هذه القراءة أكثر حضوراً في المشهد.

فالذي كان يبدو بعيداً على الخريطة، أصبح قادراً على التأثير في مسار الأحداث.

والذي كان يُقرأ كساحة منفصلة، دخل في معادلة إقليمية أوسع.

وهكذا، لم تكن المسافة بين اليمن ولبنان هي ما يحكم قراءة المشهد، بل كان السيد حسن نصرالله ينظر إلى اليمن من خلف حدود الجغرافيا، ويراه في سياق تحوّلات أوسع كانت تتشكّل في المنطقة، حتى جاءت غزة وطوفان الأقصى ليمنحا تلك الرؤية امتدادها الأكثر وضوحاً، ويحوّلا ما كان يُقرأ بوصفه تحوّلاً إقليمياً إلى واقع يتقدّم على الأرض.

هناك، حيث تتغير خرائط المنطقة، بقيت فلسطين هي البوصلة التي أعادت تفسير كل ما حولها. حين تكون فلسطين في المنتصف، لا تعود الجغرافيا هي التي تحدد المسافة… بل القضية.

المصدر / تسنيم للانباء

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً