الأربعاء 07 . 10 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
كان ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ هو اليوم الذي واجه فيه العالم زيف وهم عدم امكانية الحاق الهزيمة باسرائيل.
وكالة تسنيم الدولية للانباء :
في فجر يوم السبت ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، كان سماء غزة لا يزال رماديًا حين انتشر الخبر كالصاعقة: فصائل المقاومة الفلسطينية عبرت الحدود المحاصرة.
وفي غضون ساعات، انتشرت صورٌ لم تكن بالنسبة لكثيرين في المنطقة قابلة للتصديق حتى ذلك اليوم؛ فقد انشقّ الجدار الحدودي، وتعرضت المستوطنات المحيطة بغزة للهجوم، ودخلت قوات المقاومة مناطق كان الاحتلال الإسرائيلي يحميها لسنوات خلف أحد أكثر الأنظمة الأمنية تعقيدًا في العالم.
كان قد مضى ما يقارب ٧٥ عامًا على يوم النكبة، منذ اليوم الذي غادر فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين منازلهم وتحوّل التشريد إلى جزء من حياة عدة أجيال من الفلسطينيين. والآن، في صباح ٧ أكتوبر، أعاد أبناء هؤلاء المشردين أنفسهم إلى صدارة أخبار العالم من جديد.
لم يكن طوفان الأقصى يهدف إلى إفناء إسرائيل في يوم واحد، لكنه استهدف شيئًا أهم: الصورة التي بنتها إسرائيل عن نفسها على مدى عقود، صورة جيش لا يُقهر، وجهاز استخبارات لا يُخترق، وحدود كان عبورها شبه مستحيل.
في ذلك اليوم لم تُكسَر الجدران الحدودية فحسب، بل انهار جدار أهم، وهو هيمنة دولة ـ جيش كان يعتبر نفسه بأنه لا يقهر.
في ذلك الفجر بدأت أطول حرب في تاريخ إسرائيل منذ النكبة، السبت الأسود لإسرائيل، والحرب التي لم تنتهِ بعد ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات من الدماء والركام
في هذه السنوات الثلاث استُشهدت الوجوه الرئيسية للمقاومة واحدًا تلو الآخر: محمد الضيف، القائد الأعلى لكتائب القسام، ويحيى السنوار، القائد السياسي وأحد المهندسين الرئيسيين لعملية ٧ أكتوبر، وإسماعيل هنية، وعدد آخر من قادة المقاومة، ودفعت المقاومة ثمنًا باهظًا.
بحسب آخر إحصاءات وزارة الصحة في غزة (أوائل أكتوبر ٢٠٢٦)، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وحتى اليوم استُشهد ما لا يقل عن ٧٤ ألفًا و٢٢٨ فلسطينيًا، وأُصيب أكثر من ١٧٥ ألف شخص. وقد قضى عشرون ألفًا ومئة وتسعة وسبعون طفلًا واثنا عشر ألفًا وخمسمئة امرأة نحبهم، ولا تزال آلاف الجثث مدفونة تحت أنقاض المباني، وتضررت أو دُمّرت بالكامل أكثر من ٩٠ في المئة من البنى التحتية المدنية في غزة، وتتحدث المؤسسات الدولية عن مجاعة وسوء تغذية واسع النطاق في غزة.
حوّل الاحتلال الإسرائيلي الحصار إلى أداة للتعذيب الجماعي، واحتجز ما يقارب مليوني إنسان في شريط ضيق: تجويع ممنهج، وقطع الأدوية، ونقص مياه الشرب، وتدمير المستشفيات والمدارس. وحتى بعد وقف إطلاق النار الهش في ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥، تواصلت الهجمات وقتل الصهاينة أكثر من ألف وأربعمئة فلسطيني آخر.
عدد الشهداء والضحايا الفلسطينيين يبلغ أضعاف خسائر الطرف الآخر، وفُقد قادة مهمون في المقاومة، لكن تاريخ فلسطين أثبت مرارًا أن المقاومة، وإن كانت دامية، هي السبيل الوحيد الذي يُجبر العدو على الحساب.
حين وُضع السلاح أرضًا
لقد خضع تاريخ فلسطين المعاصر لتجربة كبرى: إن التفاوض والاستسلام لإسرائيل لم يؤدِّيا يومًا إلى استيفاء حقوق الشعب، ولم يجلبا لفلسطين سلامًا ولا هدوءًا.
حين وضع ياسر عرفات السلاح ووقّع اتفاق أوسلو المخزي واعترف بإسرائيل، ماذا حدث؟ تسارع الاستيطان الإسرائيلي، وشُيّدت آلاف الوحدات السكنية الجديدة في الضفة الغربية، ولم تتشكل أي دولة فلسطينية مستقلة، ونُسي حق عودة اللاجئين، وعانى الفلسطينيون من الذل والاحتقار أكثر من قبل. فلم يجلب أوسلو سلامًا ولا كرامة، بل اشترى الوقت فقط لتوسيع الاحتلال.
في المقابل، غيّرت المقاومة المسلحة ـ بكل تكاليفها الباهظة ـ المعادلة مرارًا. فمن الانتفاضة الأولى إلى طوفان الأقصى، في كل مرة لجأ الفلسطينيون إلى السلاح، أُجبر العالم على الاعتراف بوجودهم.
نقطة تحول غير مسبوقة، وإنهاك العملاق العسكري
وفي الجانب الآخر من الميدان حدث ما كان يصعب تخيله في الأيام الأولى: الحرب التي كان يُفترض أن تكون عملية عسكرية تحوّلت إلى أزمة طويلة الأمد لإسرائيل نفسها. فبعد ثلاث سنوات من القصف المدمّر والمعارك البرية الدامية والعمليات الاستخباراتية شديدة التعقيد، تحوّل ٧ أكتوبر إلى نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل. ووفقًا لتقارير دولية واستراتيجية، تواجه إسرائيل عسكريًا ضعفًا أمنيًا وفشلًا استخباراتيًا وعلامات إنهاك واستهلاك في جيشها.
بدأ تجنيد قوات الاحتياط على مستوى غير مسبوق، إذ استُدعي نحو ٣٠٠ ألف شخص، وأصدرت الحكومة تصريحًا برفع العدد إلى ٤٥٠ ألفًا. وبلغ متوسط خدمة قوات الاحتياط ١٣٦ يومًا في السنة، وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن أكثر من ١٠ آلاف من قواتها يخضعون للعلاج من اضطرابات نفسية وعقلية ناجمة عن الحرب.
وحتى منتصف عام ٢٠٢٥، قدّر وزير المالية الإسرائيلي التكلفة المباشرة وغير المباشرة للحرب بـ ٣٥٠ مليار شيكل (نحو ٨٠ مليار دولار)، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ حروب إسرائيل. وبلغ الدين العام نحو ٦٩ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع النمو الاقتصادي لعام ٢٠٢٤ إلى واحد في المئة. وأعلنت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية عن موجة واسعة من الهجرة الداخلية، وأكّد معهد الديمقراطية الإسرائيلي استمرار تشريد سكان المناطق الحدودية.
جبل من السلاح في مواجهة إرادة بحتة
ومن جهة أخرى، تدفقت مساعدات عسكرية وتسليحية ضخمة إلى النظام الصهيوني. فقد قُدّر إجمالي مشتريات الأسلحة والمساعدات العسكرية التي تلقّتها إسرائيل من الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية حرب غزة حتى نهاية عام ٢٠٢٥ بما لا يقل عن ٢١٫٧ مليار دولار، وكان الجزء الأكبر منها مساعدات مجانية.
ومن بين الدول الأوروبية، تُعدّ ألمانيا أكبر مورّد للتجهيزات لإسرائيل. فقد صدّرت برلين نحو ٣٢٧ مليون يورو في عام ٢٠٢٣، وأكثر من ١٦١ مليون يورو في عام ٢٠٢٤، ونحو ٢٦٠ مليون يورو في عام ٢٠٢٥. ومع رفع القيود، بلغ حجم تراخيص الصادرات العسكرية الألمانية إلى إسرائيل في النصف الأول من عام ٢٠٢٦ وحده قفزة غير مسبوقة إلى نحو ٨٠٠ مليون يورو (ما يعادل ٩٣٠ مليون دولار). كما كانت دول غربية أخرى مثل بريطانيا وإيطاليا وفرنسا والدنمارك وكندا من مورّدي التجهيزات العسكرية لإسرائيل.
وفي مقابل هذا الجبل من السلاح والتكنولوجيا المتقدمة، يقف حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية بأقل التجهيزات والتقنيات: بلا أسراب مقاتلة، وبلا أسطول بحري، وبلا منظومات دفاع جوي معقدة، وبلا مليارات من المساعدات المجانية، فقط بالأنفاق والصواريخ البسيطة والإرادة الجماعية وتجربة عقود من المقاومة. وهذه القوات نفسها تمكنت من إيصال العملاق العسكري المجهّز بأحدث أسلحة العالم إلى العجز. فالجيش الذي لم يتمكن، رغم كل هذا الدعم، من حسم الحرب، كانت للمقاومة قدرة لا تُسجَّل في جداول التجهيزات العسكرية: القدرة على مواصلة الحرب.
مستقبل المقاومة
بعد ثلاث سنوات من ذلك الفجر الرمادي، لا تزال غزة تتنفس تحت الأنقاض. استُشهد القادة، وفقد عشرات الآلاف حياتهم، ويعيش مليونان في حصار غير مسبوق. لكن ما انهزم في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ لم يكن فقط الأسلاك الشائكة الحدودية، بل هيمنة بُنيت على مدى عقود بالأسلحة الأمريكية والأوروبية والدعم السياسي للعالم الغربي.
لقد دمّرت المقاومة في ٧ أكتوبر واحدة من أهم الصور التي بنتها إسرائيل عن نفسها على مدى عقود: صورة القلعة التي لا يستطيع أحد عبور جدرانها. وبعد ثلاث سنوات من ذلك اليوم، لم تعد هذه الصورة قابلة للترميم.
إسرائيل قوة معتدية دخلت الميدان بمساعدة كل الدول القوية في العالم تقريبًا وبأحدث الأسلحة الحربية، ومع ذلك لم تستطع التغلب على المقاومة الفلسطينية. وسيكتب التاريخ هذه السنوات الثلاث لا بادعاءات النصر من تل أبيب، بل بإحصاء ٧٤ ألف شهيد، ومئات الآلاف من الجرحى، وملايين المشردين، و٣٠٠ مليار شيكل من تكاليف الحرب، واعتراف العدو الصريح بأن الحرب لم تنتهِ.
لقد أثبتت المقاومة مرة أخرى، وإن كانت دامية ومكلفة، أن الاستسلام والتفاوض ليسا سبيلًا إلى الحق. فأنقاض غزة لا تزال تصرخ، والتاريخ لم ينتهِ بعد.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل