الثلاثاء 13 . 10 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
أثارت زيارة المبعوث الرئاسي الأمريكي ولقاءاته الأخيره مع كبار المسؤولين في البلاد قراءات متضاربة في الأوساط السياسية، ففي وقت عدت فيه أطراف في الإطار التنسيقي الزيارة خطوة إيجابية لتعزيز التعاون الاقتصادي وتجاوز الأزمات المالية، مع الحفاظ على جدول زمني وطني لحصر السلاح بيد الدولة، رأى مراقبون وباحثون أن المراهنة على العامل الاقتصادي وحده لن تحسم نزع سلاح الفصائل، مشددين على ضرورة تفعيل أطر قضائية وتنفيذية حازمة لفرض الاستقرار.
زيارة إيجابية وخطوة مهمة
ويقول عضو ائتلاف دولة القانون خالد علوان الشلال، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الثلاثاء (13 تشرين الأول أكتوبر 2026)، إن ”الإطار التنسيقي ينظر بإيجابية إلى زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك إلى العراق، باعتبارها خطوة مهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي والانفتاح على الأسواق العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن المرحلة الحالية تتطلب توسيع الشراكات الاقتصادية لمعالجة العجز المالي وتعزيز استقرار البلاد”.
ويضيف، أن ”التنمية الاقتصادية ترتبط بصورة مباشرة بالاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني، الأمر الذي يجعل الانفتاح على اقتصادات دول العالم ضرورة ملحة، لا سيما في ظل تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز، وما ترتب عليهما من تأثيرات على الاقتصاد العراقي”.
ويتابع، أن ”الظروف الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العام ونصف العام أو العامين الماضيين أسهمت في توليد عجز مالي، ما يستدعي البحث عن منافذ اقتصادية بديلة تدعم موارد العراق وتخفف تداعيات الأزمات الإقليمية”.
لقاء باراك بالزيدي وزيدان
وناقش رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، مع المبعوث الرئاسي الأمريكي توم باراك التعاون المشترك في مختلف المجالات والملفات التي تضمن مصالح الشعبين العراقي والأمريكي وتخفف التوتر بالمنطقة، فيما لم يتطرقا إلى ملف سلاح الفصائل، ولم يرد في بيان مخرجات اللقاء أي حديث أو إشارة إليه.
وذكر المكتب الإعلامي للزيدي، في بيان اطلعت عليه “العالم الجديد”، أنه “استقبل رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، مساء الاثنين، المبعوث الرئاسي الخاص للرئيس الأمريكي توم باراك”.
وأضاف البيان، أنه “جرى، خلال اللقاء، بحث العلاقات الثنائية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، وسبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، إلى جانب مناقشة مستجدات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لدعم الأمن والاستقرار الإقليميين، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويخفف التوترات والصراعات الإقليمية”.
وعلق المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، في وقت سابق من اليوم الثلاثاء، على اجتماعه مع رئيس الوزراء علي الزيدي، بالقول إن استقرار العراق لا يورث بل يبنيه قادة يختارون الطريق الصعب، مشدداً على أن أمن وازدهار العراق هما أمن وازدهار المنطقة بأكملها.
وأعرب باراك في تدوينة على منصة “إكس” اطلعت عليها “العالم الجديد”، عن امتنانه لقيادة الزيدي وشراكته، مؤكداً أن المباحثات كانت مثمرة وركزت على دعم الاستقرار الإقليمي.
كما شهدت الزيارة لقاء بين باراك ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، تناول تطوير العلاقات الثنائية بين العراق والولايات المتحدة في المجالات القانونية والقضائية.
وبحسب بيان صادر عن إعلام مجلس القضاء الأعلى، اطلعت عليه “العالم الجديد”، فإن زيدان استقبل المبعوث الرئاسي الأمريكي توم باراك، وبحث معه الأفكار المتعلقة بتطوير التعاون بين البلدين في المجالات القانونية والقضائية، دون أن يتضمن البيان تفاصيل إضافية عن طبيعة تلك الأفكار أو آليات تنفيذها.
حصر السلاح شأن وطني
وفي ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، يرى الشلال، أن ”العراق لم يعد بحاجة إلى رسائل أمريكية أو خارجية بشأن هذا الملف، وأن قضية السلاح بعد انسحاب القوات الأجنبية والأمريكية، في 30 أيلول، أصبحت شأناً عراقياً داخلياً”.
ويكشف عن وجود اتفاق وطني بين أطراف الإطار التنسيقي، بما فيها القوى المرتبطة بالفصائل المسلحة، يقضي بتسليم السلاح وحصره بيد الدولة، وتنفيذ الاتفاق يسير وفق جدول زمني سبق الإعلان عنه، يمتد حتى 30 حزيران المقبل”.
ويبين عضو ائتلاف دولة القانون، أن ”الفصائل المعنية بدأت المضي في تنفيذ التفاهمات التي توصلت إليها مع رئيس الوزراء”، مرجحاً ”استكمال عملية تسليم السلاح خلال الأشهر الستة المقبلة، في ظل تحسن الوضع الأمني وانتفاء الحاجة إلى استمرار وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة”.
ويؤكد، أن ”الفصائل، بوصفها ممثلة في العملية السياسية ومجلس النواب والحكومة، أصبحت مقتنعة بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، والتوجه نحو مرحلة تركز على إعادة بناء البلاد وتطوير قطاعات الاقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والتعليم والثقافة”.
وبدأت ملامح التحرك الأمريكي الجديد تجاه بغداد في منتصف حزيران 2026، عندما التقى المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى العراق، توم باراك، على هامش زيارة أجراها إلى البلاد، رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، في محطة سبقت عودته إلى بغداد بعد نحو أربعة أشهر.
وفي 12 تشرين الأول 2026، عاد باراك إلى العاصمة العراقية، في زيارة وصفها بأنها تأتي عند لحظة محورية في العلاقات بين بغداد وواشنطن، وسط توجه أميركي معلن نحو توسيع الشراكة الثنائية لتتجاوز الملفات الأمنية إلى التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة.
علاقات خارجية متوازنة
ويشدد الشلال على أن “العراق يمتلك موقفاً موحداً في إدارة علاقاته الخارجية، يعبر عنه رئيس الوزراء بوصفه ممثلاً للحكومة والقوى السياسية الداعمة لها”، مؤكداً “اتفاق الأطراف المعنية على تغليب المصالح الوطنية العليا ومراعاة العلاقات الإقليمية والدولية وفقاً لهذه المصالح”.
ويردف، أن ”العراق يسعى إلى الحفاظ على علاقات متينة مع جميع دول المنطقة، من خلال التواصل الدبلوماسي وتبادل الرسائل والتفاهمات، بما يخدم التنمية الاقتصادية ويحافظ على الأمن والاستقرار، بعيداً عن تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الأطراف المتنازعة”.
ويستطرد، أن ”الحكومة تعهدت أمام بعض الدول الإقليمية بعدم السماح باستخدام العراق منطلقاً لعمليات عسكرية أو لتصفية الحسابات”، معتبراً أنها ”نجحت في ضبط تحركات الفصائل والتزامها بالتفاهمات المبرمة مع رئيس الوزراء”.
ويستدل الشلال على صحة رأيه بأن الفترة الماضية لم تشهد هجمات أو اعتداءات تنطلق من العراق باتجاه دول الجوار، باستثناء بعض الإشكالات التي وقعت خلال الشهرين الماضيين، والتي قال إنها عولجت عبر التواصل والتنسيقـ والأوضاع عادت إلى طبيعتها.
توافق شيعي سني كردي
وعلى الصعيد الاقتصادي، يشيد الشلال بخطوات الحكومة في معالجة أزمة السكن وتنظيم الأسواق المالية وسعر الصرف، معتبراً أن أسعار الصرف الحالية جيدة مقارنة بالسنوات الماضية، وأن أسعار المواد باتت قريبة من السعر الرسمي.
ويشير إلى أن ”رفع سعر صرف الدولار الذي أقرته الحكومة قبل أيام أسهم في توفير موارد مالية إضافية للخزينة العامة، والوضع المالي أصبح مؤمناً، وأن الإجراءات الحكومية المتخذة تسير باتجاه إيجابي”.
ويكشف عضو ائتلاف دولة القانون، أن ”قرار تعديل سعر الصرف يحظى بتوافق القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية المشاركة في تشكيل الحكومة”، موضحاً أن ”رئيس الوزراء يعود إلى الإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة عند اتخاذ القرارات المهمة، ويأخذ بنظر الاعتبار آراء مختلف المكونات والقوى السياسية”.
ويختتم الشلال حديثه بالتعبير عن تفاؤله بمستقبل الاقتصاد العراقي خلال الأشهر المقبلة، لأن استمرار الاستقرار الأمني وتوفر الموارد المالية سيمكنان العراق من تحقيق خطوات متقدمة في التنمية الاقتصادية والتطور الصناعي والعلمي والتكنولوجي.
باراك ينسق مع فاغن
من جهته، يقول الأكاديمي والباحث السياسي عقيل عباس، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الثلاثاء، إن ”زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك إلى العراق تحمل مسارين أساسيين، يتعلق الأول بالتنسيق مع القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، فيما يرتبط الثاني بملف حصر السلاح بيد الدولة، من خلال لقاءاته مع رئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى”.
ويوضح، أن “القائم بالأعمال الأمريكي يتعامل مع باراك بوصفه المسؤول عن الملف العراقي، ويتلقى منه التعليمات وينسق معه”، مشيراً إلى أن ”جانباً من الزيارة يهدف إلى تعزيز التواصل بينهما، بينما تكتسب اللقاءات مع رئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء أهمية خاصة في ضوء الترتيبات المطروحة للتعامل مع الفصائل المسلحة”.
ويرى عقيل، أن ”الفكرة الأساسية لهذه الترتيبات تقوم على تعاون القضاء والحكومة، عبر إصدار أوامر قضائية بحق الجهات المسلحة الخارجة عن القانون، تتولى الحكومة تنفيذها من خلال جهاز مكافحة الإرهاب”، لافتاً إلى أن ”هذا التصور ظهر قبل أشهر، وكان من المفترض البدء بتطبيقه بعد انسحاب القوات الأميركية، قبل حصول التمديد”.
وقال باراك، في تدوينة نشرها عبر منصة “إكس” تابعتها “العالم الجديد” عقب وصوله إلى بغداد، إنه أجرى زيارة وصفها بالرائعة للقائم بالأعمال الأمريكي ستيف فاغن، مشيداً بخبرته في العراق والمنطقة، ومعتبراً إياه الشخص المناسب للمساعدة في تعزيز أولويات الولايات المتحدة.
وأضاف، أن القيادة الصحيحة تأتي في لحظة محورية للعلاقات مع العراق، مؤكداً أن البلدين ينتقلان من شراكة تركز على الأمن إلى علاقة أوسع تقوم على التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة، في إشارة إلى توجه واشنطن لإعادة صياغة طبيعة ارتباطها ببغداد.
تحويل العراق إلى شريك
ويعتقد عقيل، أن ”لقاءات باراك توحي باستمرار الاعتماد على الترتيب ذاته، الذي يمنح القضاء دوراً أساسياً في معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة، وتحويله من قضية سياسية وأمنية إلى مسار قضائي يستند إلى القانون وتنفيذ الأحكام والأوامر الصادرة عن الجهات المختصة”.
ويتابع، أن ”باراك يتبنى رؤية تقوم على تحويل العلاقة بين العراق والولايات المتحدة من شراكة تركز على الجانب الأمني إلى علاقة أوسع قائمة على التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة، وحاجة العراق إلى الاستثمارات والشركات الأجنبية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي ستدفع الحكومة نحو حصر السلاح بيد الدولة”.
ويردف، أن “هذه الرؤية ترتبط بخلفية باراك بوصفه رجل أعمال، وقربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها لا تعبر بالضرورة عن موقف موحد داخل الإدارة الأمريكية، إذ قد تتبنى وزارتا الخارجية والدفاع مقاربة مختلفة تقوم على استخدام الدولة العراقية أدواتها القانونية لإجبار الفصائل المسلحة على التخلي عن سلاحها”.
إجراءات جدية لنزع السلاح
ويعتبر الأكاديمي عباس، أن ”التعويل على المصالح الاقتصادية وحدها لنزع سلاح الفصائل يمثل نظرة متفائلة أكثر مما ينبغي”، موضحاً أن ”ارتباط بعض الفصائل بإيران يستند إلى اعتبارات عقائدية وأيديولوجية وولاءات تتجاوز الحسابات الاقتصادية، الأمر الذي يجعل الاستثمارات أو الترتيبات التجارية غير كافية لإقناعها بالتخلي عن سلاحها”.
ويجد، أن ”باراك يراهن على احتياجات العراق الاقتصادية، ولا سيما في ظل القيود المرتبطة بتصدير النفط عبر إيران، والحديث عن مد أنبوب عبر سوريا وربما الأردن، بوصفها عوامل قد تدفع الحكومة العراقية إلى التعامل بجدية أكبر مع ملف حصر السلاح”.
ويؤكد عقيل، أن “هذا التصور لا يأخذ بالحسبان طبيعة ارتباط الفصائل المسلحة ومصالحها، لأن حصر السلاح لن يكون سهلاً من دون إجراءات جدية يتولاها القضاء وتنفذها الحكومة العراقية”.
ويختتم حديثه بالتساؤل عما إذا كان مجلس القضاء الأعلى سيتولى الدور الأساسي في نزع سلاح الفصائل، عبر تحويل الملف إلى قضية قضائية بدلاً من بقائه ضمن التجاذبات السياسية والأمنية؟. هذا الاحتمال قد يفسر أهمية لقاء باراك برئيس مجلس القضاء، وأن المرحلة المقبلة ستكشف مدى إمكانية المضي بهذا المسار”.
وتضع زيارة باراك ملف العلاقات العراقية الأمريكية أمام مسارين متوازيين، أولهما توسيع الشراكة الاقتصادية التي تحدث عنها المبعوث الأمريكي صراحة، وثانيهما تطوير التعاون القانوني والقضائي الذي تناوله لقاؤه مع زيدان، والسياسي مع الزيدي، فيما تبقى طبيعة التفاهمات العملية بين الجانبين مرهونة بما ستكشفه الخطوات اللاحقة.
فالزيارة حملت إعلاناً أمريكياً عن تغيير أولويات الشراكة، لكنها لم تكشف بعد ما إذا كان هذا التحول سيترجم إلى اتفاقات اقتصادية وإجراءات قانونية ملموسة، أم سيبقى في إطار الرسائل الدبلوماسية المتبادلة؟
المصدر / العالم الجديد
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل