فيينا / السبت 28 . 03 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
الوعي بين المادية والثنائية والوحدوية
طرحت الفلسفة التحليلية المعاصرة بوجه خاص ما عرف بالمشكلة الصعبة للوعي، أي السؤال عن الكيفية التي تنبثق بها الخبرة الذاتية من بنية مادية صمّاء. أمام هذه المعضلة توزعت المواقف بين اتجاهات رئيسة، منها المادية والثنائية بالإضافة إلى بعض الصيغ الوحدوية أو الكوسمولوجيات الشمولية للوعي (جمع كوسمولوجيا، تصوّرات مختلفة عن الكون والوجود لدى الثقافات أو الأديان أو الفلاسفة).
ترى المادية الإختزالية أن الوعي قابل في النهاية للإختزال إلى نشاط عصبي، وأن كل حالة شعورية تقابلها حالة فيزيولوجية محددة في الدماغ، أما الثنائية الديكارتية فتذهب إلى أن العقل أو النفس جوهر مغاير للمادة، يرتبط بها بعلاقة تعلّق أو تفاعل.
في مقابل هذين الإتجاهين، ظهرت في العقود الأخيرة أطروحات تميل إلى نوع من (البانسيكزم: عمومية الوعي) تعتبر الوعي خاصية أساسية متجذرة في نسيج الواقع ولا يمكن ردّها إلى مستوى أدنى. في المقابل يقدم التراث الإسلامي نفسه خرائط ميتافيزيقية قريبة من هذه الانقسامات، فالغزالي مثلا يميل إلى ثنائية معتدلة تجعل النفس جوهرا غير مادي مخلوقا، في حين تصل المدرسة الأكبرية عند ابن عربي إلى رؤية وحدوية أنطولوجية تجعل الوجود في حقيقته واحدا، لتعيد صياغة العلاقة بين الخالق والمخلوق ضمن تصور تجلّي الوجود الحق في صور الممكنات.
وفي ضوء هذه الخلفية، يمكن اقتراح ثلاث طرائق لقراءة مفهوم الشاهد في إليه المنتهى: قراءة معرفية/ نفسية، بوصفه أداة ذهنية تسمح للذات بفك التماهي مع أفكارها وانفعالاتها، وتقارب بذلك ممارسات التأمل واليقظة الذهنية. وقراءة روحية/سلوكية، بوصفه مقاما تربويا يرسخ حضور العبد مع ربه، ويعيد تأويل المراقبة الصوفية في لغة نفسية معاصرة، وقراءة أنطولوجية محتملة: بوصفه وعيا متجاوزا للبنية المادية، يمكن أن يُفهم باعتباره مظهرا من مظاهر الحقيقة المطلقة. يميل الكتاب، في صيغته المعلَنة، إلى البعدين الأول والثاني، ويتجنب التعريف المباشر للوعي تعريفا ميتافيزيقيا. غير أن الحمولة الرمزية للغة المستعملة إلى جانب حالة التلقي الشعبي، قد تفتح الباب أمام تأويلات وحدوية أو شبه وحدوية، خاصة عند غياب التمييز النظري الصارم بين المستويات المعرفية والأنطولوجية. لذلك وجب ضبط المصطلح، والتمييز الصارم بين المجاز والأنطولوجيا، وبين السنن النفسية والادعاءات الكونية.
فإليه … فعلًا … المنتهى
… يتبع
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل