فيينا / الأحد 29 . 03 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
بعد أن توقفت في الأجزاء السابقة عند مفهوم الشاهد وما فتحته من أسئلة تتصل بطبيعة الوعي وحدود التجربة الروحية، أنتقل في هذا الجزء الى المفهوم الثاني الذي يقوم عليه الكتاب، وهو قانون الإنعكاس، حيث يكتسب هذا المفهوم أهميته من كونه نقطة التماس بين الخطاب الروحي من جهة، والتفسير النفسي المعرفي من جهة أخرى، إذ يعد بقراءة العلاقة بين الداخل والخارج قراءة تتجاوز المستوى الوعظي الى مستوى التصور العام للإنسان والعالم. ومن هنا تتحدد الحاجة الى فحص هذا المفهوم فحصا نقديا، يميز بين المجاز والتقرير، وبين الإلهام التربوي والدعوى الكونية، حتى تتضح القيمة الفعلية التي يضيفها الكتاب والحدود التي ينبغي ان يقرأ داخلها.
قانون الإنعكاس بين الروحانية وعلم النفس المعرفي
يطرح المؤلف ما يسميه قانون الإنعكاس، ومفاده أن الواقع الخارجي يمثل مرآة لما في باطن الإنسان من معتقدات وتصورات وانفعالات. قد يفهم هذا التصور في صيغته الحرفية على أن الكون يستجيب لذبذبات الإنسان او لطاقته الداخلية، في نوع من التفاعل الكوني الشامل الذي يحول الخبرة الذاتية الى قوة سببية مباشرة، إلا أن علم النفس المعرفي يوفر أدوات تفسيرية أكثر انضباطا يمكن من خلالها إعادة تأويل هذه الفكرة دون افتراض قوانين طاقية كونية.
فمفهوم التحيز التأكيدي يشير إلى ميل الإنسان الى ملاحظة ما يؤكد توقعاته المسبقة وإهمال ما يخالفها، بينما توضح نظرية المخططات المعرفية كيف تقوم البنى الذهنية السابقة بتنظيم إدراكنا للواقع وتفسيرنا للأحداث. أما آلية النبوءة ذاتية التحقق فتشرح كيف يمكن لتوقعات الشخص عن نفسه والآخرين أن تؤثر في سلوكه وسلوكهم على نحو ينتج في النهاية الواقع الذي كان يتوقعه أو يخشاه. بهذا المعنى يصير الإنعكاس وصفا لآليات إدراكية سلوكية داخل النفس البشرية، لا قانونا فيزيائيا يحكم حركة الكون على مستوى الطاقة والذبذبات.
يزداد الإشكال حين تستخدم مفاهيم علمية دقيقة، مثل الطاقة والذبذبة في سياق مجازي روحي ثم تعامل كما لو كانت توصيفا حرفيا لآليات كونية، ما يؤدي إلى توسيع غير مبرهن لدائرة السببية وخلط بين مستويات متباينة من الخطاب. هنا يمكن اقتراح صياغة أكثر توازنا لفكرة الإنعكاس على النحو الاتي: حالة الإنسان الداخلية من معتقدات وانفعالات وصور ذاتية، تؤثر في إدراكه للعالم وفي أنماط سلوكه، وهذه بدورها تسهم في تشكيل نتائجه وخبراته، ضمن إطار سنن نفسية واجتماعية شاءها الله في خلقه. وبهذا التفصيل يمكن الحفاظ على الإطار الإيماني العام، مع التمييز بين المجاز الروحي والإدعاء العلمي، وبين عمل السنن النفسية السلوكية ومساحة الغيب.
بين القيمة والاشكال
يمكن تلخيص القيمة المعرفية والروحية لكتاب إليه المنتهى في ثلاث نقاط رئيسة:
الأولى إعادة الإعتبار لمسؤولية الإنسان عن تشكيل وعيه، والتنبيه الى البعد الأخلاقي لإختياراته المعرفية والوجدانية.
ثانيا محاولة بناء جسر بين منجزات علم النفس الحديث ومفاهيم الإيمان، من خلال إعادة تأويل لغة الوعي والذاتية في إطار توحيدي.
ثالثا تقديم خطاب روحي بلغة معاصرة قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة المأخوذة بخطاب التنمية الذاتية وثقافة تحسين الذات.
في المقابل، تكمن الإشكالات الفلسفية والمنهجية في مواضع عدة، من أهمها: هشاشة الحدود بين المجاز العلمي والدعوى الفيزيائية، ولا سيما في استعمال مفاهيم الطاقة والذبذبة والبرمجة خارج سياقاتها الأصلية. فقابلية بعض المفاهيم، وعلى رأسها الشاهد والإنعكاس، للإنزلاق من مستوى التقنيات النفسية إلى مستوى الإدعاء الأنطولوجي، خاصة في غياب تقعيد نظري واضح جدا. كما أن احتمال فهم قانون الإنعكاس فهما مطلقا يحمل الفرد مسؤولية شبه كاملة عما يعتريه من وقائع وأقدار، وهو فهم قد يتعارض مع تعقيد الواقع الإنساني ومفهوم البلاء والإمتحان في الرؤية الاسلامية.
تظهر هذه الإشكالات الحاجة إلى مزيد من التدقيق المفاهيمي، وإلى حوار أعمق بين علماء النفس والفلاسفة والمتصوفة المعاصرين، لتجنب الإنزلاقات الميتافيزيقية غير المقصودة التي قد تنجم عن توظيف لغة واحدة في أكثر من حقل معرفي دون ضوابط صارمة.
… يتبع
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل