الرئيسية / ثقافة وادب / صورة قلمية / حب تحت القصف

صورة قلمية / حب تحت القصف

فيينا / السبت  04 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي / المغرب

في قلب طهران، المدينة التي تنبض بالحياة حتى وهي تلتحف سماء ملغومة بالموت ورغم دخان الحرب، كان الليل يغلي كقدر من اللهيب، وكانت أصوات الصواريخ تشق السكون كجرح في صدر السماء. تتراكض الظلال في الشوارع، يحمل الناس أكياس الأكل والمراهم والإسعافات الأولية لتوزيعها على الجرحى والمصابين، الأطفال يراقبون المآذن وهي ترتجف من زئير الطائرات. وسط تلك الفوضى لم يكن الحب استثناء، بل كان جزءا من التعبئة الكبرى ونبضا في جسد المدينة التي تقاوم لتبقى. رضا وليلى قصة تكتب بمداد من نور وسط عتمة الملاجئ. لم يكن حبهما مجرد عاطفة عابرة، بل كان فعل مقاومة ونوعا من أنواع التعبئة الروحية في وجه طائرات الغدر التي كانت تنهش صمت الليل.

عندما انطلقت صفارات الإنذار، تلك الصرخة المعدنية التي تمزق أحشاء الهدوء، لم يهرع رضا إلى القبو بحثا عن النجاة الشخصية، بل حمل مكبرا للصوت وراية إيران البهية، وشد على جبينه عصابة حمراء خط عليها شعار إمامه الحسين الشهيد (هيهات منا الذلة) وفي قلبه صورة ليلى. كانت طهران في تلك اللحظة تغلي، لم يكن الناس يختبئون فحسب، بل كانوا يتحولون إلى كتلة واحدة من التحدي.

في أحد أحياء العاصمة القريبة من ساحة “أزادي“[1]، عند مدفأةٍ صدئة، الدخان يتصاعد من أطراف المدينة، اتكأت ليلى على حائط متشقق ورأت رضا قادما بخطوات يسرعها الشوق والخطر، اقترب منها وفي عينيه انعكاس نيران بعيدة. كانت نظراتهما أكثر ثباتا من الجبال المحيطة بالعاصمة. أمسكت بيده بقوة، وقالت وصوتها يغالب دوي القصف، إن الصهاينة يريدون كسر إرادتنا، يريدوننا أن نخاف من الحب ومن الحياة.

ابتسم رضا وهو يرى انعكاس النيران البعيدة في عينيها الجميلة، وضع يده على قلبه كمن يقسم ليرد بصوت هادر: ليقصفوا الحجر يا ليلى، لكنهم لن يصلوا إلى هذه النبضة منك. كل شعار نكتبه على راية، وكل هتاف نطلقه في مسيرة وساحة، هو رصاصة في صدر يأسهم. نحن لا نحب الحياة فقط، نحن نحب هذه الأرض التي تمشي عليها خطاك.

وسط طهران التي تتنفس من شقوقها، دوت صافرات الإنذار لترج أركان الشوارع والصواريخ ترسم خطوطا من النار في السماء وأصوات الإنفجارات تهز الأرض، لم يكن الناس يهرعون هربا، بل كانت الوجوه تتجه تلقائيا نحو ساحات الصمود والولاء للشهداء والوطن. الكل يهتف، الأصوات تتعالى من الحارات والشوارع، ومع كل نداء كانت طهران تنبض كقلب واحد، يخبر المعتدي في كل ارتجافة من تحت الركام: هنا أرض لا تقهر.

وقفا هناك، بين هتافات العزة والشموخ، ينثران عبارات في سماء المجد تقول: هنا، الحب أقوى من البارود والرماد.

في إحدى الليالي اشتد القصف حتى خيل للجميع أن السماء ستهبط فوق الأبراج. اعتلى رضا وليلى سطح بناية نصف منهارة، وأمسكا بأيدي بعضهما كمن يتشبث بالنجاة، ثم بدءا يرقصان رقصة الحياة على إيقاع القذائف. لم يكن جنونا، بل إعلانا للسيادة.

كان المعتدي يظن أنه يزرع الرعب، لكنه في الحقيقة كان يضيء لهما شموخ حبهما. ومع كل انفجار يضيء ليل طهران، كانا يزدادان التصاقا بالأرض، مؤمنين أن الفجر الذي سيخرج من خلف جبال “البرز“[2] لن يكون فجر شمس عادي، بل فجر انتصار لقلوب لم تعرف الانكسار.

انتهت الليلة، لكن السياف لم يقتل النبض، لأن أرواح ليلى ورضا كانت في كل زاوية من زوايا طهران تضفي على المدينة ملامح وطن يحب الحياة حتى الرمق الأخير.

انتهت الليلة وبقيت طهران شامخة، وفي كل زاوية من زواياها، لا يزال “حب تحت القصف” هو النشيد الذي لا يهزم، ويبقي شاهدا على أن من يسكن هذه الأرض لا يعرف قلبه سبيلا للكسر، وأن عشق الأوطان من إيمان القلوب.

لقد كانت إيران هي الدرع والأمان وستبقى، وحبهما هو النبض الذي يخبر المعتدي: هنا أرض لا تقهر ولا تهزم.

[1] ساحة أزادي (ساحة الحرية) هي أكبر وأشهر ساحات طهران

[2] جبال البرز في ايران: هي جبال قريبة من العاصمة طهران

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً