الثلاثاء 28 . 04 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي
يأخذ دولوز على الفلسفة الغربية أنها أسيرة التمثيل[1]، أي تلك الآلية التي تجعل الفكر يشتغل عبر التشابه، والمماثلة، والتصنيف، والمقارنة. في هذا المنظور، يصير المختلف قابلا للرد إلى نموذج أعلى، وتصبح المعرفة عملية تنظيم للمعطيات لا اكتشافا للطاقات الكامنة فيها. لكن دولوز يرفض هذا الإختزال، لأنه يعتقد أن الفكر لا يبدع إلا حين يواجه ما لا يمكن استيعابه بسهولة. ولهذا تبدو فلسفته أقرب إلى دعوة ثقافية واسعة منها إلى بناء نظري مغلق. إنها دعوة إلى التحرر من الحكم المسبق على الأشياء، ومن الرغبة في إخضاع الواقع لصيغة واحدة. ومن هنا يمكن فهم جاذبية دولوز في النقد الأدبي والفنون والنظرية الثقافية، حيث يصبح الإختلاف قوة مولدة للمعنى لا عيبا يجب إصلاحه.
قد يبدو لفظ التكرار[2] لأول وهلة مرادفا للرتابة والإعادة الآلية، غير أن دولوز يمنحه معنى مغايرا جذريا. فالتكرار عنده ليس إعادة الشيء نفسه، بل عودة ما لا يعود أبدا على النحو ذاته. كل تكرار حقيقي يحمل في داخله فرقا، وكل عودة تحمل أثر التحول. لذلك فالتكرار ليس نقيض الإبداع، بل أحد شروطه. وبهذا المفهوم، يتجاوز دولوز الفهم النفسي والتمثيلي للتكرار، حيث يختزل إلى عادة أو ذاكرة أو نسخ ميكانيكي. إنه يراه قوة زمنية تنتج الجديد من داخل الإستمرار نفسه. فالزمن لا يعيد إنتاج ما كان، بل يراكم الفروق الصغيرة التي تغير الكيان من الداخل. ومن هنا تبرز أصالة هذا الكتاب: إنه يعيد للتكرار بعده الخلاق، ويحرره من التصور السطحي الذي يحصره في العادة والملل.
ينطلق دولوز من اعتراض عميق على التقليد الفلسفي الذي اعتاد أن ينظر إلى الأشياء عبر ما تتشابه فيه، لا عبر ما يميزها. ففي هذا التقليد، يفهم الإختلاف بوصفه نقصا أو انحرافا عن نموذج سابق، لا بوصفه قوة إيجابية منتجة. أما دولوز، فيقترح انقلابا مفاهيميا: الإختلاف ليس فرعا من الهوية، بل هو الأصل الذي تتولد منه الهويات المؤقتة. بهذا المعنى، لا يكون العالم مجموعة نسخ متشابهة، بل نسيج من التمايزات الحية التي لا تتكرر إلا لتبتكر. هذا التحول ليس لغويا فحسب، بل أنطولوجي، أي أنه يمس سؤال الوجود ذاته. فالوجود عند دولوز ليس كتلة صلبة من الثوابت، بل حركة دائمة من التكون والتحول. وبالتالي، فإن التفكير الفلسفي الحق ليس البحث عن الجوهر الثابت، بل الإصغاء إلى ما يتشكل باستمرار في باطن الإختلاف.
تزداد أهمية «الإختلاف والتكرار» يا صديقي في زمن تتزاحم فيه الخطابات التي تدعو إلى التوحيد والقولبة، وإعادة إنتاج المعايير نفسها. فالعالم المعاصر بما فيه من تنوع ثقافي وتحولات رقمية وتبدلات في أشكال العيش والتعبير، يحتاج إلى فلسفة تستطيع أن تفهم التعدد لا أن تخافه. وهنا يظل دولوز واحدا من أكثر الفلاسفة قدرة على إضاءة المعنى الجديد للإختلاف بوصفه شرطا للحياة لا تهديدا لها. وفي هذا السياق، لا يبدو الكتاب نصا فلسفيا متخصصا فقط، بل وثيقة فكرية عن كيفية النظر إلى الإنسان والعالم. إنه يعلمنا أن الوحدة الحقيقية لا تقوم على محو الفروق، بل على القدرة على استيعابها، كما أن التكرار الخلاق ليس عودة إلى الوراء، بل حركة إلى الأمام عبر أشكال جديدة من الوجود.
الإختلاف والتكرار من وجهة نظري ليس كتابا سهلا، لكنه من الكتب التي تترك أثرا دائما لأنها لا تكتفي بإقناع القارئ، بل تغير زاوية نظره. وفي ذلك تكمن قيمته الثقافية الكبرى، حيث يحرر الفكر من عبادة المتماثل، ويمنح الإختلاف مكانه الطبيعي بوصفه مصدرا للمعنى والخلق والتجدد. وربما لهذا السبب ظل دولوز حاضرا بقوة في الفلسفة المعاصرة، وفي النقد، وفي النقاشات الثقافية التي تبحث عن لغة جديدة لفهم العالم.
[1] التمثيل: مصطلح فلسفي يشير إلى فهم الأشياء عبر صورها أو نماذجها أو تماثلاتها، وهو أحد المفاهيم التي انتقدها دولوز بشدة.
[2] التكرار عند دولوز لا يعني إعادة الشيء نفسه حرفيا، بل يشير إلى عودة محملة بالفارق والتحول، أي إلى تكرار منتج لا استنساخا آليا.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل