السبت 25 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
في وقتٍ تواصل فيه الولايات المتحدة تصعيد خطاب التهديد والضغط ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تؤكد تجارب العقود الماضية أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها، بل أسهمت في كثير من الأحيان في تعزيز قوة الردع الإيرانية وترسيخ التماسك الداخلي.
وكالة مهر للأنباء: شهدت الأسابيع الأخيرة عودة المسؤولين الأمريكيين إلى استخدام خطاب التهديد والضغط والتحذيرات العسكرية في محاولة لإيجاد حالة من الردع النفسي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ورغم أن هذا الخطاب يُطرح في سياق التطورات الإقليمية الراهنة، فإنه لا يمثل استراتيجية جديدة، بل يعكس استمرار نهج تقليدي اعتمدته الإدارات الأمريكية المتعاقبة طوال العقود الماضية، من دون أن يحقق النتائج المرجوة.
وتُظهر تجربة العلاقات الإيرانية الأمريكية أن واشنطن، كلما راهنت على الضغوط العسكرية أو العقوبات الاقتصادية أو الحرب النفسية لإجبار طهران على تغيير مواقفها، اصطدمت بنتائج مغايرة لحساباتها. فالضغوط الخارجية لم تؤدِّ إلى تراجع إيران، بل ساهمت في كثير من الأحيان في تعزيز التلاحم الداخلي، وتقوية التنسيق بين مؤسسات الدولة، وترسيخ الإرادة الوطنية في الدفاع عن المصالح السيادية.
وقد تكررت هذه المعادلة في محطات عديدة، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية، مروراً بسنوات العقوبات المشددة، ثم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وتطبيق سياسة “الضغط الأقصى”، وصولاً إلى المواجهات العسكرية الأخيرة. وفي كل مرة كانت الإدارة الأمريكية تتوقع أن تؤدي زيادة الضغوط إلى دفع إيران نحو تقديم تنازلات، جاءت الوقائع لتؤكد تعقيد المشهد واستحالة اختزاله في معادلة الضغط والاستجابة.
التهديد.. أداة ثابتة في السياسة الأمريكية
تعتمد السياسة الأمريكية تجاه إيران، منذ سنوات طويلة، على أدوات شبه ثابتة تتمثل في التهديد العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، والحرب الإعلامية، بغض النظر عن هوية الحزب الحاكم أو الرئيس الموجود في البيت الأبيض.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تستمر واشنطن في انتهاج هذه السياسة رغم إخفاقها المتكرر؟ ويرى مراقبون أن جزءاً من الإجابة يكمن في طبيعة آلية صنع القرار الأمريكي، إذ لا تزال بعض الدوائر السياسية تعتقد أن تصعيد الضغوط قد يغير موازين القوى لصالح الولايات المتحدة، رغم أن التجارب العملية أثبتت عكس ذلك.
حسابات خاطئة تتكرر
ومن أبرز الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها واشنطن، التقليل من قدرة إيران على التعامل مع الضغوط الخارجية، وافتراض أن تشديد العقوبات أو التهديدات العسكرية سيؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية.
إلا أن التطورات أثبتت أن تصاعد التهديدات الخارجية غالباً ما يدفع نحو تعزيز التماسك الوطني، ويجعل قضية الدفاع عن الأمن القومي أولوية جامعة، الأمر الذي يحد من فاعلية أدوات الضغط التقليدية.
الردع غيّر قواعد المعادلة
يرى محللون أن أحد أبرز أسباب تراجع تأثير التهديدات الأمريكية يتمثل في التطور الملحوظ الذي شهدته القدرات الدفاعية الإيرانية خلال السنوات الماضية، سواء في المجالات الصاروخية أو المسيّرات أو القدرات البحرية.
وبناءً على ذلك، لم يعد خيار العمل العسكري بالنسبة لصناع القرار في واشنطن قراراً يمكن اتخاذه بسهولة، إذ إن أي مواجهة محتملة مع إيران ستترتب عليها تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية واسعة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
كما أن الموقع الجيوسياسي لإيران، المطل على أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، يجعل أي تصعيد عسكري ذا انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة، وهو ما يدفع العديد من الأطراف الدولية إلى التعامل بحذر مع أي سيناريو يؤدي إلى توسيع دائرة التوتر.
الحرب النفسية.. ركيزة مكمّلة للضغوط
ولا تقتصر الضغوط الأمريكية على الجانب العسكري، بل تشمل أيضاً الحرب النفسية والإعلامية ومحاولات التأثير في الرأي العام عبر التهويل والترويج لسيناريوهات التصعيد.
إلا أن هذه الأدوات، بحسب مراقبين، فقدت جانباً كبيراً من فعاليتها، نتيجة تكرارها على مدى سنوات طويلة، وعدم اقترانها في كثير من الأحيان بخطوات عملية، الأمر الذي أضعف تأثيرها على الداخل الإيراني.
لماذا تواصل واشنطن هذا النهج؟
ويعتقد مراقبون أن استمرار هذا الخطاب يرتبط أيضاً بحسابات السياسة الداخلية الأمريكية، إذ تُستخدم المواقف المتشددة تجاه إيران في كثير من الأحيان لإرسال رسائل إلى الداخل الأمريكي أو لطمأنة الحلفاء الإقليميين، أكثر من كونها وسيلة فعالة لتغيير السلوك الإيراني.
كما أن غياب بدائل واضحة لسياسة الضغط، في ظل ارتفاع كلفة الخيار العسكري وعدم تحقيق العقوبات النتائج المرجوة، يدفع بعض صناع القرار في واشنطن إلى إعادة إنتاج الخطاب نفسه، رغم محدودية مردوده العملي.
خاتمة
تشير مجمل التجارب خلال السنوات الماضية إلى أن استمرار سياسة التهديد وحدها لم يعد كفيلاً بتغيير المعادلات القائمة. فقد أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مراراً أنها لن تتراجع تحت وطأة الضغوط، وأنها سترد على أي اعتداء بما يتناسب مع طبيعته وحجمه.
وفي ضوء المتغيرات التي شهدتها منطقة غرب آسيا، يبدو أن تكرار خطاب التهديد يعكس، أكثر من كونه تعبيراً عن امتلاك خيارات جديدة، محدودية الأدوات المتاحة أمام واشنطن. كما تؤكد التجربة التاريخية أن استمرار الرهان على الضغط والإرهاب السياسي لن يحقق نتائج مختلفة، بل قد يكشف بصورة أكبر حدود القدرة الأمريكية على فرض إرادتها في المنطقة.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل