الأربعاء 16 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
في الوقت الذي باتت تتجه فيه الأنظار إلى الجغرافيا السورية، كممر لكميات النفط العراقي الآخذة بالازدياد مع التخطيط لوصولها إلى مليون برميل يوميا، تُطرح تساؤلات عما تجنيه سوريا من استخدام أراضيها كمعبر للطاقة، وكيف يسهم ذلك في رفد اقتصادها بموارد إضافية، فيما يتوقع باحثون وخبراء اقتصاديون أن تزداد تلك الموارد بعد مد أنبوب النفط بين كركوك وبانياس، وإذا توسعت خطوط نقل الطاقة من دول أخرى عبر سوريا.
وأعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال مؤتمر صحفي مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين أمس الثلاثاء، أن العراق يعتزم العمل على مسار لتصدير مليون برميل يوميا عبر سوريا في مرحلة أولى، على أن تتوجه هذه الكميات إلى أوروبا.
وفي أغسطس/آب الماضي نقلت وكالة رويترز -عن مصدرين مطلعين- أن خطط العراق لتصدير النفط من خلال خط أنابيب يمر بسوريا “تتطلب على الأرجح 4 سنوات من أعمال البناء وإنشاء بنية تحتية جديدة بالكامل بدلا من إعادة تأهيل خط الأنابيب القائم، وستكلف ما لا يقل عن 15 مليار دولار”.
وقال مدير مركز جسور للدراسات محمد سرميني إن سوريا تحقق مجموعة مكاسب من نقل النفط العراقي، أهمها الحصول على إيرادات من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، وتنشيط الموانئ والمنشآت النفطية، وتوفير مصدر إضافي للعملات الأجنبية.
وأضاف في تصريح لـ”سوريا الآن”، أن تلك الخطوة تعزز موقع سوريا كممر بديل لتصدير الطاقة من العراق إلى البحر المتوسط، مشيرا إلى أن هذه الاستفادة قد بدأت فعليا من خلال نقل النفط ومشتقاته بالشاحنات إلى ميناء بانياس، فيما يجري العمل على تطوير مسار أنبوبي أكثر استدامة.
وأعلنت هيئة المنافذ الحدودية العراقية، في 8 سبتمبر/أيلول الجاري عن “تصدير نحو 1500 شاحنة نفط يوميا عبر سوريا” بزيادة أكثر من 500 شاحنة عما كشفه نائب رئيس الشركة السورية للبترول أواخر يوليو/تموز، مشيرا إلى دخول ما بين 900 و1000 صهريج نفط عراقي يوميا عبر معبري التنف واليعربية الحدوديين.
بدوره قال الباحث الاقتصادي الدكتور علي محمد، إن رسوم العبور هي أبرز المكاسب المباشرة في نقل النفط، مشيرا في تصريح لـ”سوريا الآن” إلى أن تلك الرسوم تتراوح بين دولار ودولارين للبرميل الواحد، موضحا أنه إذا “نُقل 300 ألف برميل يوميا فنحن نتحدث عن إيراد سنوي يصل إلى نحو 109 ملايين دولار”.
وأعلنت وزارة الطاقة السورية في يوليو/تموز الماضي أن أعمال إعادة تأهيل خط كركوك بانياس “تستهدف الوصول إلى طاقة تشغيلية تُقدر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يوميا، بما يسهم في إعادة تفعيل أحد أهم ممرات نقل الطاقة الإقليمية، ويعزز موقع سوريا كمحور لعبور الطاقة باتجاه البحر الأبيض المتوسط“.
بدوره أوضح سرميني أن قيمة الاستفادة المالية “تبقى تقديرية ومرتبطة بحجم الكميات المنقولة وطبيعة الاتفاق النهائي بين البلدين”، مضيفا أنها “تمثل موردا مهمّا للخزينة السورية في ظل محدودية الإيرادات العامة” ومشيرا إلى أهمية رسوم التخزين والتفريغ والنقل والخدمات المرتبطة بمرور النفط عبر الأراضي السورية.
وأضاف أن أهمية الممر النفطي “تتجاوز قيمة رسوم العبور” لافتا إلى أن تشغيله يمكن أن يعيد تنشيط البنية التحتية السورية المرتبطة بالنقل والتخزين والموانئ والطاقة.
من جهته لفت الدكتور علي إلى إمكانية الاستفادة من المادة المنقولة، مشيرا إلى حق الدولة في الحصول على كميات معينة من المنتجات المنقولة عبر أراضيها وذلك وفق اتفاق الدولتين، موضحا أن الشراء يكون عادة بحسب سعر التكلفة وهو ما ينعكس على الاقتصاد السوري الذي لا يزال بحاجة إلى موارد نفطية لتغطية النقص المسجل.
وأكد وجود تفاصيل لها علاقة بتشغيل العمالة المحلية وتأهيل طرق النقل ودخول السائقين العراقيين، مما يولد دورة اقتصادية كاملة جراء هذا النشاط الاقتصادي.
وأعلنت وزارة الطاقة السورية -في معرض تبريرها لرفع أسعار المشتقات النفطية الأحد الماضي- أن حاجة سوريا تبلغ ما يقارب 300 ألف برميل يوميا من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من النفط الخام يبلغ نحو 100 ألف برميل يوميا، مما يفرض تغطية جزء من الاحتياجات عبر الاستيراد.
نفط بشروط تفضيلية
بيد أن سرميني يرى أن الترتيبات التجارية بين البلدين تتيح حصول سوريا على كميات من النفط أو المشتقات بأسعار أو شروط تفضيلية، مضيفا أن ذلك “يعتمد على العقود النهائية ولا يمثل حتى الآن مكسبا مضمونا بموجب المشروع”.
وأوضح أن وصول النفط العراقي، عبر الأراضي السورية، يمكن أن يقلل اعتماد سوريا على الشحنات البحرية والمصادر المتقطعة، كما يوفر للمصافي السورية مصدرا إضافيا للخام.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى المصافي السورية، بانياس وحمص، إذ يمكن لتوفير الخام أن يدعم معدلات تشغيلها عندما تتوفر المتطلبات الفنية واللوجستية، كما يقول سرميني، مضيفا أن ذلك يتيح إنتاج جزء أكبر من المشتقات محليا بدلا من الاعتماد الكامل على استيراد المنتجات المكررة، مع الإشارة إلى أن البنية التحتية للمصافي وخطوط النقل ما زالت تحتاج إلى أعمال تأهيل واستثمار.

نفوذ سياسي
على الصعيد السياسي يمنح تحول سوريا إلى ممر للطاقة العراقية موقعا تفاوضيا أكبر في علاقتها، لأن نجاح صادرات العراق عبر الأراضي والموانئ السورية سيجعل استقرار هذا المسار مصلحة مشتركة بين البلدين، كما يؤكد سرميني.
وقال إن أهمية هذا الدور تزداد في ظل اضطراب طرق تصدير الطاقة التقليدية في الخليج، إذ أصبحت الحاجة إلى مسارات برية وبحرية بديلة أكثر وضوحا خلال عام 2026، مشيرا إلى أن استفادة سوريا من هذا الموقع ستظل مرتبطة بقدرتها على تأمين البنية التحتية، وحماية خطوط النقل، وجذب الاستثمارات اللازمة لإعادة تأهيل شبكات النفط والغاز والموانئ.
بدوره يؤكد الدكتور علي محمد الأبعاد الجيوسياسية لتحويل سوريا إلى ممر لخطوط الطاقة في المنطقة، لافتا إلى أن تفعيل هذا الموقع يفتح المجال أمام نقل النفط من دول خليجية عبر الأردن إلى سوريا ومنها إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
فيما يرى سرميني أن المكسب الأساسي لسوريا لا يتمثل فقط في رسوم العبور، وإنما في تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر دخل ونشاط اقتصادي ونفوذ سياسي.
وقال إنه إذا نجحت سوريا في تطوير الممر العراقي وربطه بمشاريع طاقة أخرى، يمكن أن “تتحول من دولة مستورِدة للطاقة وتعاني من نقص البنية التحتية إلى دولة تؤدي دورا في نقل الطاقة الإقليمية”، مشيرا إلى أن هذا الأمر يفتح مجالا لإيرادات إضافية واستثمارات في الموانئ والمصافي وخطوط الأنابيب والخدمات اللوجستية.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل
