الأحد 20 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
حين يصبح الإعلام بلا فلترة
الإعلام في أبسط تعريفاته هو الإخبار عن الأحداث، ونقل ما يجري إلى الناس، ووضعهم أمام صورة واضحة عمّا يحدث من حولهم. لكن ثمة سؤالًا يبدو أكثر أهمية من تعريف الإعلام نفسه: من يقرر أيّ الأحداث تستحق أن تصل إلى الناس؟ وهل كل ما يحدث في الحياة يستحق بالضرورة أن يتحول إلى مادة إعلامية؟
أحداث الحياة كثيرة، متشابكة، ومتفاوتة في أهميتها وتأثيرها. هناك حدث يمس حياة آلاف الناس، وآخر لا يتجاوز كونه واقعة عابرة لا قيمة حقيقية لها خارج لحظتها. وهناك قضية تحتاج إلى نقاش وتفسير وتوعية، وأخرى لا يؤدي تضخيمها إلا إلى منحها حجمًا أكبر مما تستحق.
وهنا تظهر أهمية الفلترة الإعلامية، وهي ليست إخفاءً للحقائق، ولا انتقاءً يخدم رغبة معينة، وإنما قدرة مهنية وأخلاقية على التمييز بين ما يستحق أن يكون في صدارة المشهد، وما يمكن أن يمر دون أن يتحول إلى قضية رأي عام.
فالإعلام ليس كاميرا مفتوحة على الحياة تلتقط كل شيء بلا تمييز، وليس قناة تمرر جميع الصور والأحداث كما هي، ثم تترك الجمهور أمام سيل لا ينتهي من الأخبار والمقاطع والحكايات. لأن الإعلام حين يفقد معايير الاختيار، قد يتحول من وسيلة لفهم الواقع إلى جزء من فوضى الواقع نفسه.
ليس كل ما يحدث خبرًا، وليس كل خبر يستحق أن يكون عنوانًا، وليس كل عنوان يستحق أن يتحول إلى حديث الناس.
إن وظيفة الإعلام لا تتوقف عند نقل الحدث، بل تبدأ من السؤال: لماذا ننقله؟ وما الذي سيضيفه للناس؟ وما أثر نشره؟ وهل يسهم في فهم قضية مهمة، أم أنه لا يتجاوز إثارة الفضول؟
وحين يصبح معيار النشر هو القدرة على جذب المشاهدات فقط، تبدأ مشكلة أخرى بالظهور؛ إذ تصبح الفضائح أكثر جاذبية من الإنجازات، والجريمة أكثر حضورًا من أسبابها وسبل مواجهتها، والمشهد الصادم أكثر أهمية من القضية التي تقف خلفه.
وقد يتحول الإعلام، من حيث لا يشعر، إلى منصة لإعادة إنتاج السلوكيات السلبية. فبدل أن يحذر الناس من أساليب الاحتيال، قد يقدم للمحتالين والجمهور معًا تفاصيل وأساليب جديدة. وبدل أن يناقش الجريمة بوصفها مشكلة اجتماعية تحتاج إلى معالجة، قد يجعل من الجاني والمشهد الإجرامي مادة للفرجة. وبدل أن يحمي خصوصية الضحايا وكرامتهم، قد يحول مأساتهم إلى محتوى متداول.
وهنا يفقد الإعلام شيئًا جوهريًا من رسالته
الإعلام الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد مرآة تعكس كل ما يحدث، وإنما بوصلة تساعد المجتمع على فهم ما يحدث. والفرق بين المرآة والبوصلة كبير؛ فالمرآة تريك المشهد، أما البوصلة فتساعدك على معرفة اتجاهك.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق النشر ليس: هل هذا الحدث مثير؟ وإنما: هل هذا الحدث مهم؟ وهل نشره مفيد؟ وهل سيزيد وعي الناس أم سيزيد فضولهم فقط؟
فالمهنية الإعلامية لا تظهر في كمية الأخبار التي يستطيع الإعلام نشرها، وإنما في قدرته على معرفة ما الذي يستحق أن يُنشر، وكيف يُنشر، وما الذي ينبغي أن يبقى خارج دائرة الاستعراض.
نحن لا نحتاج إعلامًا يخبرنا بكل شيء، بقدر ما نحتاج إعلامًا يساعدنا على فهم الأشياء التي تستحق أن نعرفها.
في الختام وقبل السلام نقول حين يغيب معيار الأهمية، يصبح كل شيء خبرًا، وحين يصبح كل شيء خبرًا، لا يعود هناك شيء مهمًا.
وهنا تحديدًا يبدأ الإعلام بفقدان معناه.
*سكرتير التحرير
بغداد. 2026/9/20
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل