فيينا / الأربعاء 26 . 02 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
خريستو المر
رحلتَ. هل جاءنا الليل؟
أحبّك محبّوك، أولئك الذين تطلّعوا إلى الفجر أن يهلّ وسط الليل. ويُعذَرُ الذين كرهوك فمنهم مَن ظنّك شبهه تكره الآخر، ومنهم مَن ظنّ أنّ رؤيته للعالم أعلى وأكثر حضارة، وكلّهم منح نفسه حقّاً منعه عنك وعنّا: أن نحفر رؤيتنا من واقعنا ومن وراء سواد الغيم وانسداد الأفق. ومَن نحن؟ لسنا شيئاً كبيراً ولا عظيماً، نحن الذين نرى قرون ثور الحضارة في بطون العراة، ونحن العراة ونحن البطون المطعونة إذا طُعِنَ بَطنُ طفلٍ منسيّ في هامش المدينة، والهامش عريضٌ، ويزداد عَرضاً، ونحن نحدّق بالضحايا، ونرفع بندقيّة هنا وقلماً هناك لنكتب طريقاً جديداً للشمس، يُضيء من قلب الهامش في ليل الحضارة.
وحقٌّ لنا أن نحبّك، أنتَ الذي جاء بخطوط القمر وصنع بها استقامة الطريق إلى الفجر. أقول أنت، ونعني أنتم، ونعني نحن. لا شكّ أنّكَ أخطأت، أنّ خيالاً ما كان يعوزك لكي تبتكر مع جماعة الذين سكنوا الهامش خارج الجماعات مكاناً للعدالة، فاستفحل الظُلم تحت نقرات ساعتك. ولا مفرّ لك من حمل عبء اللوم لأنّك صَعِدت من الجمع المسلسل بالماضي والخوف وقُدْتَ، ومَن قاد يخطئُ ويصيب، وهذا نصيب المحرِّرين. ونحن، مَن لم نمت بعدُ، نبني بعدك على الصواب وعلى الخطأ وهذا مصير الذين أسْروا في القافلة حتّى يهلّ الفجر. المحرّرون يعرفهم المتحرِّرون وتعرفهم الإمبراطوريّة، هم أولئك الذين يحملهم شعبهم، وكذلك تمتدح كتب الإمبراطوريّة بعضَهم لتخفي البعضَ الآخر، ولا تمدح الإمبراطوريّة إلّا المشاهدَ الأخيرة للتحرير، فتختصر حكاية طويلة من الصواب والخطأ والدم في مشهد سينمائيّ وتمتدحه لتخفيَ معركةَ المحرِّرين الشرسة الطويلة ضد وحشيّتها، ولتخبّئَ تحت قناع المدح السينمائيّ مجازرَها الخفيّة.
الوحوش تكرهك، والذين باعوا أنفسهم يكرهونك، فالكارهون يكرهون. لكن يكرهك أيضاً مثقّفو الإمبراطوريّة، أولئك الذين يأخذون عليك أن توسّخ يديك بيد الطغاة بينما أيديهم الحمراء بيد القتلة الذين يمتشقون البنادق خلف ربطات العنق. وهم يحبّون النقاوة ولذلك يأنفون أن تتّسخ أيديهم في وحل التاريخ حتّى باتوا بلا أيدي، وبات الوحل في تصاعد. هم الذين يرون فيك فِكراً مضادّاً للمدينة، والمدينة كما نعرفها في أجسادنا وفي أجساد أمّهاتنا وآبائنا، في أمراضهم وأعمارهم القصيرة، وفي صدورهم الخافقة بالعبءِ الطويل، تتربّعُ فوقَ تلِّ الجماجمِ تحت حدائق غنّاء وكنائس حصيفة.
وهم يكرهون أنّك رأيتنا بين الحائط الرماديّ السميك وبين السكّين، فقلتَ «أومن بالعدالة فأعن يا الله قلّة عدالة الطريق»، فقاتلتَ وهم يتفرّجون وينظمون العمارات الفكريّة عن النضال اللاعنفيّ من دون أن يرفعوا حتّى طنجرة في وجه السِكّين. ويرضى كارهوك أن يقبضوا مرتّباتهم من أمير الظلام طالما كان خطابُه كثيابه مضيءٌ كملاك نورانيّ. هم براحة ضمير يقولون مع الشاعر الفرنسيّ إنّ «الله يكتب الاستقامة بخطوطٍ معوجّة»، ويقشعرّون لجمال العبارة الشعريّة، لكنّهم ينكرون الأمر نفسه عليك وعلينا. ينكرون أن نحاول أن نكتب الاستقامة بالخطوط المعوجّة، وأن نشعل خلايا الحرّية في خلايا تاريخنا النائم، لنوقظ فيه الفِعل والحياة والحضور.
أتكلّم عن «نحن»، ومَن نحن؟ نحن الذين منذ طفولتنا تغرّبنا، كغرباء تغرّبنا. بين جدران بروباغندا الإمبراطوريّات في بَواطِن كتبِنا تغرّبنا. في برامج محطّاتنا الفضائيّة تغرّبنا. في خطابات سياسيّينا تغرّبنا. في حروبنا العبثيّة تغرّبنا. في رغبة السلام التي باتت استسلاماً تغرّبنا. في حكم ذاتنا بذاتنا تغرّبنا. تغرّبنا لدرجة أنّنا عندما كنّا (وما زلنا) نحبّ تحرُّرَ أوروبا من النازية لم ندرك أنّه، في يوم البهجة الإنسانيّة ذاك، في اليوم نفسه، كانت أوروبا بيدها الفرنسيّة، وبنادقها الفرنسيّة، ترتكب إبادة في شعبنا في الجزائر.
تغرّبنا لدرجة أنّنا تغنّينا بـ«اكتشاف» كولومبوس لأميركا، ولم نعلم أنّه استعبد سكّانها الأصليّين، وأنّه كسر عائلاتهم، وأجبر الرجال ونساءهم أن يخضعوا لعمليّة بحثه المهووس عن الذهب حتّى ماتت أرواحهم من القهر والقمع والتعذيب والإرهاق، فلم يعودوا حتّى يتزاوجوا وفنوا. تغرّبنا لدرجة أنّنا لم نتعلم أنّ المكتشف الوحشيّ دفع جزيرة كاملة هي كوبا إلى حافة اليأس فدفنت الأمّهات أولادهنّ أحياء كي لا يلاقوا مصير آبائهم وأمّهاتهم. تغرّبنا لدرجة أنّنا أُعجِبنا بمغامرات اقتحام الإسبان والبرتغال للبحار والمحيطات بينما كان المقتحمون المارّون بين أطفال الأرض في القارة الجديدة يمرّرون نصالهم في رقبة هذا الطفل أو ذاك فقط ليجرّبوا إن باتت قاطعة كفاية أم لا. تغرّبنا لدرجة أنّنا بتنا نرى كلمة الاستعمار، وهو واقعنا اليوميّ، غريبة.
تغرّبنا لدرجة أنّ بعضنا بات يكرهك وأنت الذي كنت طريقاً لنا إلى الأفق.
تغرّبنا نحن. ومن نحن؟ نحن الذين قرّرنا، كما قرّرتَ، أن نقول «لا» للوحش. نحن الذين، وإن لامتك قلوبنا لخطأ أو آخر، فلأنّنا نحبّك ونحبّنا، ونخشى أنّ الخطوط العوجاء قد تخون الطريق فلا يستقيم، ولأنّنا نكره أن تستمرّ أيّ جريمة في الهامش الكبير كائناً ما كان الاسم الذي يرتكبها.
هل جاءنا الليل؟ ليس إن أكملنا الطريق.
* أستاذ جامعي ومدير مركز الأبحاث النسويّة في جامعة يورك، كندا
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات