فيينا / الأثنين 05 . 01 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
علي محمد مهاجر
لا تقاس الحياة في اليابان بضجيج الإنجازات ولا تختصر في منافسة وظيفية محمومة، فعلى نحو أكثر هدوءا وعمقا يتشكل معنى الوجود عبر مفهوم يدعى إيكيغاي، السبب الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش. لا يمكن اعتبار الإيكيغاي شعارا تحفيزيا عابرا، ولا وصفة جاهزة للسعادة، بل رؤية فلسفية متجذرة في الممارسة اليومية، تصاغ بالصبر، وتختبر بالاستمرارية، وتنعكس على كل جوانب الحياة بما فيها الحب والعلاقات العاطفية. فالإيكيغاي لا يكتسب مكتملا، ولا يكتشف في لحظة درامية. إنه محصلة تراكم بطيء لتجارب صغيرة: حرفة تتقن أو عادة تحترم أو علاقة تصان أو مسؤولية يُلتزم بها دون انتظار تصفيق. لذلك لا يسأل الياباني عادة: ما إيكيغايك؟ كما يُسأل عن المهنة، لأن الإيكيغاي ليس تعريفا يقدَّم، بل مسارا يعاش.
قد يتجلى الإيكيغاي في إعداد فنجان شاي بعناية يومية، أو في رعاية حديقة أو برندا، أو في رعاية قط، أو في خدمة حيّ صغير. قيمته لا تكمن في حجمه، بل في شعور الجدوى الذي يمنحه لصاحبه. هنا يلتقي الإيكيغاي مع فلسفات أخرى ترى الجمال في البساطة وعدم الكمال، وتقبل النقص والزوال بوصفهما جزءا من الحياة لا عيبا فيها، فالإيكيغاي: معنى يُبنى ولا يُعلَن.
على خلاف الفلسفات التي تعد بالسعادة القصوى أو الخلاص النهائي، لا يَعِد الإيكيغاي الا بالقدرة على الاستمرار، فليس المطلوب أن تكون الحياة مثالية، بل محتملة أولا، ثم محبوبة آخرا، دون نفي للألم أو الفشل، مع منح الإنسان سببا للنهوض في اليوم التالي. لهذا السبب، يساء فهم الإيكيغاي خارج سياقه الثقافي، ويختزل أحيانا في مخطط مثالي يجمع بين الشغف والمهارة والربح وحاجة السوق. هذا التبسيط يعكس نزعة استهلاكية تحوّله إلى مشروع إنتاجي. على عكس ذلك، الإيكيغاي قد يكون بلا مقابل مادي، وبلا اعتراف اجتماعي واسع، يرسخ فلسفة الاستمرار لافلسفة الذروة.
يحتل العمل مكانة مهمة في تشكيل الإيكيغاي، لكنه لا يحتكره. فالعمل، حين يمارس بإتقان ووعي، يتحول إلى فعل وجودي، لا إلى عبودية. لذلك نرى كثيرا من اليابانيين، خصوصا كبار السن، يواصلون العمل أو النشاط حتى بعد تقاعدهم الرسمي، ليس بدافع الحاجة الاقتصادية فقط، بل لأن التوقف التام يعني في نظرهم، فقدان الصلة بالمعنى. الإيكيغاي قد يوجد أيضا خارج العمل: في الأسرة، في التطوع، في العلاقات الإنسانية وحتى في العزلة الخلّاقة. فالمعيار ليس الموقع الاجتماعي، بل الإحساس الداخلي بأن ما يُفعل له قيمة.
حين ننتقل إلى الحب والعلاقات العاطفية، يتجلّى الإيكيغاي بوصفه مبدأً منظما لا يقل أهمية. في ثقافات كثيرة، يُحمَّل الحب عبئا ثقيلا، كأن يكون تعويضا عن الفراغ، ومصدرا وحيدا للسعادة، وإثباتا للقيمة الذاتية. أما في الفلسفة المتأثرة بالإيكيغاي، فالحب لا يطالَب بأن يكون كل شيء، فهو لا يمنح معنى أو تعريفا للحياة، بل يرافق معنى موجودا سلفا. فلكل فرد إيكيغايه الخاص به، وحين يلتقي شخصان، لا يذوب أحدهما في الآخر، بل يسيران جنبا إلى جنب، كل بمعناه ومساره. هذا التصور يحرر العلاقة من التعلق المرضي، ومن انتظار الخلاص عبر الآخر، فلا يقاس عمق العلاقة بشدة العاطفة وحدها، بل بقدرتها على التحمل: تحمل الروتين، والفتور، والتقلبات والتحديات والمزاجات والصمت المشترك.
في هذا السياق، لا ينظر إلى الأيام العادية بوصفها فشلا عاطفيا، بل بوصفها جوهر العلاقة. أن تستطيع أن تعيش مع الآخر يوما، وأن يكون الحضور كافيا في حد ذاته، فذلك علامة على علاقة ناضجة، منسجمة مع فلسفة الإيكيغاي.
الزواج كشراكة مسارات
ظلّ الزواج في اليابان، زمنا طويلا، قائما على فكرة الشراكة لا الاندماج. ورغم التغيرات الحديثة، لا يزال هذا التصور حاضرا: لكل طرف عمله، اهتماماته، وإيكيغايه. العلاقة ليست ساحة لتعويض النقص، بل مساحة دعم متبادل، فحين يمتلك كل طرف سببا خاصا للاستمرار، تتحرّر العلاقة من الابتزاز العاطفي غير المعلن: لا مطالب مستحيلة، ولا خوف مرَضي من الفقد، ولا ذوبان للذات باسم الحب. هنا يصبح الحب أكثر هدوءا وأكثر ثباتا. وفي مراحل متقدمة من العمر، أو في ظروف إنسانية خاصة، قد يصبح الحب ذاته إيكيغاي، نراه في قصص الأزواج المسنين الذين يواصل أحدهم الحياة بعد فقدان شريك عمره، لا بدافع الخوف من الموت، بل وفاء لمعنى تشكّل عبر سنوات طويلة، وفي هذه الحالة لا يكون الحب تعلقا بالآخر كجسد حاضر، بل التزاما بطريقة حياة، وذاكرة مشتركة، وقيم ترسّخت، فالإيكيغاي هنا ليس الشخص، بل الأثر الذي جعل الحياة ممكنة ومفهومة.
في زمن السرعة، والاستنزاف النفسي، والعلاقات الاستهلاكية، يقدّم الإيكيغاي درسا متكاملا في الحياة كما في الحب. المعنى لا يُشترى، ولا يُختصر في نجاح سريع، ولا يُمنح من الآخر. إنه يُبنى بصبر، ويُصان بالالتزام، ويُغذّى بعلاقات لا تطلب المستحيل ولا تدعونا إلى البحث المحموم عن السعادة، بل إلى العناية بما يجعلنا قادرين على الاستمرار بكرامة. وفي هذا السياق، يصبح الحب، لا مركز الكون، بل أحد أنبل تجلياته: حضورًا إنسانيًا هادئًا متفهما مستوعبا محتضنا متسامحا، يضيف إلى الحياة معنى دون أن يدّعي امتلاكا.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل