فيينا / الخميس 26 . 03 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
تمهيد
لم يكن اختياري لهذا الكتاب (إليه المنتهى، رحلة الوعي من وهم الأنا إلى حقيقة الله) وليد مصادفة عابرة، بل جاء ثمرة التفاتة كريمة من صديق عزيز إلى القلب، قدمه إلي على سبيل الهدية، كأنما أراد أن يتم به حديثا طويلا وماتعا دار بيننا ليالي رمضان حول الدين والروح والإنسان، وحول تلك الأسئلة الكبرى التي لا تزال تثير في النفس شغف الفهم، وتدعو العقل إلى مزيد من التأمل والمساءلة. وقد وجد هذا الكتاب عندي صدى خاصا، بما تتيحه هذه الأيام الكريمة من سكينة داخلية، وانفتاح أوسع على المعاني السامية، واستعداد أصدق لمخاطبة الفكرة ومراجعة الموقف.
وقد كان دخولي إلى هذا النص كعادتي، دخول من يستأنس ولا يستسلم ويقرأ لا ليسلم بكل ما يقرأ، ولا ليعارض من أول وهلة، بل لينصت إلى منطقه الداخلي متبينا بنيته المفاهيمية، ثم يدون ما تراءى له من ملاحظات بين قبول واعتراض، واستحسان وتحفظ. لأن بعض ما ورد فيه بدا لي قريبا من هواجس الإنسان المعاصر وأسئلته الروحية، وبعضه الآخر استدعى على قدر الوسع مراجعة نقدية، لا سيما حين تتداخل لغة المجاز مع دعوى التفسير، أو حين تتقاطع العبارات الإشراقية مع المفاهيم الفلسفية الصارمة.
ومن هنا جاءت فكرة القراءة، لا بوصفها حكما نهائيا على الكتاب، بل محاولة متواضعة للفهم والمناقشة، واستجابة لكتاب اقترن في الذاكرة بلحظة مودة فكرية وإنسانية، فصار أنيسا لبعض ليالي رمضان، ومناسبة لتأمل هادئ يجمع بين حرارة التجربة ورصانة النظر.
يسعى هذا المقال الى تقديم قراءة فلسفية نقدية لكتاب إليه المنتهى بوصفه نموذجا لتيار معاصر يحاول إعادة بناء الروحانية الإسلامية بلغة علم النفس الحديث والتنمية الذاتية. ينطلق المقال من تحليل مفهومين مركزيين في الكتاب، هما: الشاهد وقانون الإنعكاس، بوصفهما مفصلين دلاليين يربطان بين خطاب التصوف التراثي وأدبيات الوعي المعاصر. يبين البحث أن مفهوم الشاهد يتأرجح بين ثلاث مقاربات: الأولى كونه أداة معرفية لتحرير الذات من التماهي مع أفكارها، ثانيا مقام روحي يرسخ العبودية، وآخرا إمكان قراءة انطولوجية تجعل الوعي تجليا للحقيقة المطلقة، مع مقارنة ذلك بتصورات الغزالي وابن عربي وفلسفة العقل المعاصرة. كما يناقش المقال قانون الإنعكاس قدر المستطاع في ضوء بعض مناهج علم النفس المعرفي، مميزا بين التحيزات الإدراكية والعمليات النفسية السلوكية من جهة، والدعاوى الكونية ذات الطابع الطاقي من جهة أخرى. وينتهي البحث الى أن قيمة الكتاب تكمن في الجسر الذي يقيمه بين الإيمان وعلم النفس، بينما تكمن إشكاليته في هشاشة الحدود بين المجاز العلمي والإدعاء الميتافيزيقي، وفي قابلية بعض المفاهيم للإنزلاق الأنطولوجي عند التلقي غير المنضبط.
ومن أهم الكلمات المفتاحية لمن أراد التوسع: الشاهد، قانون الانعكاس، الوعي، التصوف الاسلامي، علم النفس المعرفي، الميتافيزيقا المعاصرة
… يتبع
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل