الرئيسية / مقالات / إليه المنتهى: بين الشهود الروحي والوعي الانعكاسي قراءة فلسفية في خطاب الوعي المعاصر (الجزء الاخير)

إليه المنتهى: بين الشهود الروحي والوعي الانعكاسي قراءة فلسفية في خطاب الوعي المعاصر (الجزء الاخير)

فيينا / الأثنين  30 . 03 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

خاتمة
يقف كتاب إليه المنتهى على تخوم متداخلة، تخوم الوعظ والتأمل، والروح والتحليل، والإيمان والبحث. في هذا الموضع المتوسط، يصبح النص مرآة ليس فقط لفكره الخاص، بل أيضا لحال القارئ الذي ينهي سطوره وقد أرهق بين الإجتذاب والإنتباه، وبين الرغبة في التصديق والضرورة في التدقيق. فإن كان لهذا الكتاب حظ من الإستحقاق، فهو في محاولته الرائقة لربط الإنسان المعاصر بعالم المعنى، ونقله من دهاليز العارية النفسية إلى ممرات الذوق الديني. غير أن أكبر الخطر يكمن في أن يستبدل هذا الجهد بالإنبهار، ويتخلى القارئ عن حاسة النقد ليستعير بدلها شكل الإيمان، فيلبس القيل وراء القيل، ويتخلى عن الوعي بمصادر معرفته.
فلغة الروح وإن تألقت بالبلاغة، لا تغني موضع البرهان، كما أن الوصف الشعري وإن ازدانت به المفاهيم، لا يصح بها أن تقاس الحدود بين ما يعتقد وما يعترف، ولا بين ما يحس بوصفه روحا، وما يمحص بوصفه مفهوما. وإذا كان تداول مصطلحات مثل الشاهد وقانون الإنعكاس قد أضفى على المقالة تلك اللمعة التي تجذب النفس المتعبة، فإن هذه اللمعة قد تعمي النظر إذا لم تكن محاطة بضوابط من التدقيق والتمييز وحساب دقيق لمواضع الإفتراض ومواضع التأويل ومواضع الإستعارة.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا النص لا تستوعب في تقديره بما قد يثيره من شعور بالإطمئنان المعرفي، بل فيما ينبهه إلى ضرورة تجديد الصلة بين الروح والعقل، وبين الشهادة والمساءلة، وبين التجربة الإيمانية والفحص الفلسفي الدقيق. فالروح لا تكتسب بالإندهاش، بل ترقى بالنقد، ولا تكتمل بالإنغلاق على الإحسان، بل تتمم حين ترافق في مسيرتها عقلا يحلل وضميرا يميز وضميرا أعلى ينبه الى مسؤولية المفهوم، وخطورة المجاز. ولعل الأمل المقام في مقالنا هذا لا يتجاوزه إلا المسؤولية الملقاة على القارئ نفسه: أن يقرأ الكتاب، لا بوصفه منتهى في ذاته، بل بوصفه مبتدأ في جدل أعمق بين الدين والوعي، والتصوف والعلم، والروح والفلسفة. فحين لا يسلم القارئ بالألفاظ ويطالب المعنى، وحين لا يسرع في التصديق، بل يبطئ في التأويل، يصير النص في رؤيته وطنا لا يجثم عليه، بل يعاد اكتشافه في كل قراءة.
واليه، حقا، المنتهى: ليس في نهاية الكتاب، بل في مطلع وعي جديد، يعيد للمفهوم حجمه ويفك الروح من عباءة التلوين، ويرد الشهود الى سياق الوعي، وقانون الإنعكاس إلى مدار المنطق، ويسأل في سلام لا هيجان: إلى أي وعي نسلم عندما نسمي، ونفكر، ونؤمن، أو حتى نحب؟.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً