الرئيسية / مقالات / تلوث أو فساد البيئة في القرآن الكريم

تلوث أو فساد البيئة في القرآن الكريم

الخميس 01 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف*
 
في أغلب الأحيان تتلوث البيئة بسبب الانسان فتفقد الأرض توازنها البيئي وبالتالي تتأثر المخلوقات على اليابسة والبحر بهذا التلوث والذي هو نوع من الفساد في الأرض. ويصبح الانسان الذي تسبب في هذا الفساد خارج عن حب الله جل جلاله والقائل في محكم كتابه الكريم”وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” (البقرة 205) والاية الكريمة تتحدث عن ان فساد الارض الذي يؤدي الى ان يهلك الزرع والحرث بالاضافة الى موت الانسان والحيوان نتيجة التلوث فينقطع النسل نتيجة المرض والجوع والقحط”وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” (البقرة 205). فالويل من عقاب الله للذي يبدل نعمة الله عز وعلا ويحول الارض الى مكان لا يصلح العيش عليه”وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (البقرة 211). عن كتاب تفسير التبيان للشيخ الطوسي: قوله جل جلاله “وَ لا تُفسِدُوا فِي‌ الأَرض‌ِ بَعدَ إِصلاحِها وَ ادعُوه‌ُ خَوفاً وَ طَمَعاً إِن‌َّ رَحمَت‌َ اللّه‌ِ قَرِيب‌ٌ مِن‌َ المُحسِنِين‌َ” (الاعراف 56) نهي‌ اللّه‌ ‌تعالي‌ ‌في‌ ‌هذه‌ ‌الآية‌ ‌عن‌ الفساد ‌في‌ ‌الإرض‌ و ‌هو‌ الإضرار ‌بما‌ تمنع‌ الحكمة ‌منه‌ يقال‌: أفسد الحر التفاحة ‌إذا‌ أخرجها ‌الي‌ حال‌ الضرر بالتغيير. و الإصلاح‌ النفع‌ ‌بما‌ تدعو اليه‌ الحكمة و لذلك‌ ‌لم‌ تكن‌ الآلام‌ ‌في‌ النار إصلاحاً لأهلها، لأنه‌ ‌لا‌ نفع‌ ‌لهم‌ ‌فيها‌. و ‌قال‌ الحسن‌: إفساد ‌الإرض‌ بالقتل‌ للمؤمنين‌ و الاعتداء ‌عليهم‌. و ‌قيل‌: إفساد ‌الإرض‌ العمل‌ ‌فيها‌ بمعاصي‌ اللّه‌، و إصلاحها العمل‌ ‌فيها‌ بطاعة اللّه‌.
 
قال الله سبحانه وتعالى “وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (البقرة 60) عن محمد عبد الوهاب السيد في مقال النبي صلى الله عليه وسلم والبيئة في موقع نبي الرحمة: جاءت الأوامر القرآنية والنبوية كذلك بالمحافظة على الموارد وعدم إهدارها. فمن الآيات القرآنية الآمرة بذلك: “ولا تعثوا في الأرض مفسدين” (البقرة: 60). والفساد في الأرض إما أن يكون مادياً بالتخريب أو التلويث أو الإتلاف، وإما أن يكون معنوياً بالفساد الخلقي ونشر الرذائل. وكذلك جاءت الأوامر النبوية بالحفاظ على الموارد والثروات. عن الدكتور محمد راتب النابلسي في صفحة بستان الانوار: فساد البيئة، فساد الماء، فساد الهواء، فساد الأخلاق، هذا التلوث الذي أصاب الحياة البشرية المعاصرة جاء ذكره في القرآن بشكل مجمل، قال تعالى “وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” (البقرة 205). الهواء ملوث، الماء ملوث، التربة ملوثة، التصحر يستشري، نقص الغذاء، انتشار الأمراض، عدم النظافة،  انقراض النبات والحيوان، تغير المناخ، طبقة الأوزون التي عطبت، ممارسات بشرية خاطئة، بعد عن تعاليم السماء، هذه المشكلة يعاني منها العالم. الحقيقة أن الذي يسبب هذا ظروف سلبية، آثار طبيعية وكيماوية وصحراوية تمس الحياة البحرية والحياة الجوية، والنباتية، والاجتماعية، برد ليس معهود من قبل، أمراض لم تكن معهودة من قبل مياه تنضب، حرارة ترتفع هذه الظواهر يفسرها العلماء بتغير البيئة، والذي يغيرها هو الإنسان، والآية الكريمة “فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ” (النساء 119) الله عز وجل أراد للبيئة أن تكون نظيفة فالإنسان بطموحه الدنيوي والمادي لوثها وأفسدها.
جاء في موقع الألوكة الشرعية عن آية الإنسان والبيئة في القرآن للدكتور حسني حمدان الدسوقي حمامة: وأرجى آية في كتاب الله تعبر عن حال البيئة اليوم وهي قوله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم 41)، حيث يتضح من التدبر في الآية أربعة ملامح رئيسة: أولاً: ظهور الفساد في البر والبحر: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ” (الروم 41). ثانيًا: سبب ظهور الفساد: الناس بما كسبت أيديهم: “بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ” (الروم 41). ثالثًا: انعكاس آثار الفساد سلبا على الناس: “لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا” (الروم 41). رابعًا: طريق الإصلاح والعودة إلى الله: “لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم 41). إنزال الماء من السماء نعمة عظيمة من نعم الله، حيث ينزل الماء طاهرًا طهورًا، مباركًا عذبًا فراتًا برحمة الله، ولو شاء لجعله ملحًا أُجاجًا بما كسبت أيدي الناس من ذنوب، يقول تعالى في سورة الواقعة: “أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ” (الواقعة 68-70). تصريف الماء المنزل من السماء آية من آيات الله، ويَعجِز البشر عن إعادة توزيعه، يقول تعالى عن الماء المنزل من السماء: “وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا” (الفرقان 50). ترجع أسباب العجز البشري عن تصريف الماء إلى سببين: أولاهما عجزهم عن تصرف الرياح، وثانيهما عجزهم عن خلق الظروف اللازمة لإنزال المطر، وتدبر معنى الآية التالية منتبهًا إلى أن تصريف الرياح والسحاب يتأثر بكل الآيات السابق ذكرها في نفس الآية، حيث يقول تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” (البقرة 164). كما أن الإنسان يَعجِز عن تهيئة المراحل التي ينزل بها المطر من السماء، من جمع وتأليف وتراكم، وتشقق وتكوين الودق وجبال البرد، بل إن الإنسان مع تقدم العلوم اليوم لم يفهم جيدًا المحتوى العلمي لمفردات تلك الآية المعجزة: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ” (النور 43).
 
وعن توازن وتلوث البيئة في القرآن الكريم يقول الدكتور عوض الله عبده شراقه: إن الفقه الإسلامي يَنظُر إلى البيئة باعتبارها الكونَ المحيط بالإنسان، بما فيها من حيوان ونبات وماء عَذْب ومالِح وتُرْبة، تَشمَل الجبال والهِضاب والسهول والوديان والصخور، وعناصر مناخ مختلفة من: حرارة وضغْط ورياح وأمطار، وأحياء مختلفة. وهذه البيئة أحكم الله خلْقَها، وأتقن صُنْعَها كمًّا ونوعًا ووظيفة، قال تعالى: “صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ” (النمل 88)، وقال جل شأنه: “وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا” (الفرقان 2)، وقال أيضًا: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر” (القمر 49). وهذه الآيات الكريمة تعني أن البيئة الطبيعية في حالتها العادية، دون تدخُّل مُدمِّر أو مُخرِّب من جانب الإنسان، تكون مُتوازِنة على أساس أن كلَّ عنصرٍ من عناصر البيئة الطبيعية، قد يُخلَق بصفات محدَّدة وبحجم مُعيَّن، يَكفُل تَوزُان البيئة، ويُؤكِّد ذلك قوله تعالى: “وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ” (الحجر 16-23). ومن معاني الآيات السابقة أن الجبالَ الرواسي تُحافِظ على تَوازُن الأرض، والنبات أخرجه اللهُ بأعداد وأنواع تكون بالكم الذي يَسُد احتياجات الكائنات الحية، التي تتغذَّى عليه، دون إخلال بالتوازن البيئي، ومن ثَمَّ يُمكننا القول: إن مفهوم التوازن البيئي يعني: بقاء عناصر أو مكوِّنات البيئة الطبيعية على حالها كما خلَقها الله، دون تغيير جوهري يُذكَر، فإذا حدث أيُّ نقْص اضطرب تَوازنُها، بحيث تُصبِح غير قادرة على إعادة الحياة بشكل عادي. وسبق أن ذكرنا أن القرآن الكريم عبَّر عن التلوث بلفظ الفساد، الذي هو أشمل وأوسع وأدق من كلمة تلوث، وقد جاء القرآن الكريم بآيات كثيرة تَحدَّثت عن الفساد الذي يُحدِثه الإنسان في الأرض، والتي ذكرنا بعضَها عند عرْضنا للمفهوم الشرعي للتلوث، ونَذكُر هنا البعض الآخر دون تَكرار. تأمَّل قولَه تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ” (البقرة 251). وقوله أيضًا: “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة 32). وقوله كذلك: “كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” (المائدة 64).

 *كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً