الرئيسية / مقالات / أتباع الأديان فيهم الصالح والطالح (ليسوا سواء من أهل الكتاب)

أتباع الأديان فيهم الصالح والطالح (ليسوا سواء من أهل الكتاب)

الثلاثاء 12 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف* 
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ “لَيْسُوا سَوَاءً” اختلفوا في تقديره، والقول الصحيح أن هذا وقف تام. وقوله: “مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ” ابتداء كلام، ومعناه: ليس الذين ذكرنا من أهل الكتاب سواء أي: ليس الذين آمنوا من أهل الكتاب “أُمَّةٌ قَائِمَةٌ” كعبد الله بن سلام وأصحابه، والذين لم يؤمنوا، سواء في الدرجة والمنزلة، ثم استأنف، وبين افتراقهم فقال: “مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ” فحصل بهذا بيان الافتراق. وهذا كما لو أخبر القائل عن قوم بخبر فقال: بنو فلان يعملون كذا وكذا، ثم قال: ليسوا سواء، فإن منهم من يفعل كذا وكذا، وكذلك لو ذم قبيلة بالبخل والجبن، فقال غيره: ليسوا سواء، منهم الجواد، ومنهم الشجاع. فيكون منهم الجواد، ومنهم الشجاع، ابتداء كلام. وقال أبو عبيدة: هو على لغة أكلوني البراغيث. ومثله قوله تعالى: “ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ” وقال الشاعر: رأين الغواني الشيب لاح بعارضي، فأعرضن عني بالخدود النواضر. قال الزجاج والرماني: وليس الامر كما قال، لان ذكر أهل الكتاب قد جرى، فأخبر الله أنهم غير متساويين، ولأن هذه اللغة رديئة في القيام والاستعمال. وقال الفراء: المعنى منهم أمة قائمة، وأمة غير قائمة، اكتفاء بذكر أحد الفريقين، كما قال أبو ذويب: عصيت إليها القلب، إني لأمرها مطيع، فما أدري أرشد طلابها ولم يقل أم غي. وقال آخر: أواك فلا أدري أهم هممته * وذو الهم قدما خاشع متضائل. ولم يقل: أم غيره، لان حاله في التغير ينبئ أن الهم غيره أم غيره، فعلى هذا يكون رفع أمة على معنى الفعل، وتقديره: لا يستوي أمة هادية، وأمة ضالة. وعلى القول الأول رفع بالابتداء. وأنكر الزجاج هذا القول، وقال: ما بنا حاجة هنا إلى محذوف، لان ذكر الفريقين قد جرى في قوله منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. ثم قال: “لَيْسُوا سَوَاءً”. ولا يحتاج إلى أن يقدروا أمة غير قائمة، وقد تقدم صفتهم في قوله: “يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ”. وقوله: أمة قائمة فيه وجوه أحدها: إن معناها جماعة ثابتة على أمر الله، عن ابن عباس وقتادة والربيع. وثانيها: عادلة، عن الحسن ومجاهد وابن جريج وثالثها: قائمة بطاعة الله، عن السدي. ورابعها: إن التقدير: ذو أمة قائمة أي: ذو طريقة مستقيمة، عن الزجاج. وأنشد للنابغة: “وهل يأتمر ذو أمة وهو طائع” أي: ذو طريقة من طرائق الدين. قال علي بن عيسى: وهذا القول ضعيف لأنه عدول عن الظاهر. وحكم بالحذف من غير دلالة. “يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ” ﴿آل عمران 113﴾: يقرأون كتاب الله وهو القرآن “آنَاءَ اللَّيْلِ” ساعاته وأوقاته، عن الحسن والربيع. وقيل: يعني جوف الليل، عن السدي. وقيل: أراد به وقت صلاة العتمة، لان أهل الكتاب لا يصلونها، يعني أنهم يصلون صلاة العتمة، عن ابن مسعود. وقيل: إنه الصلاة ما بين المغرب والعشاء الآخرة، عن الثوري، وهي الساعة التي تسمى ساعة الغفلة. “وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ قيل: أراد السجود المعروف في الصلاة. فعلى هذا يكون معناه: وهم مع ذلك يسجدون، ويكون الواو لعطف جملة على جملة. وقيل: معناه يصلون بغير السجود، فعبر بالسجود عن الصلاة، لأن السجود أبلغ الأركان في التواضع، عن الزجاج والفراء والبلخي، قالوا: لأن القراءة لا تكون في السجود، ولا في الركوع. وعلى هذا يكون الواو للحال أي: يتلون آيات الله بالليل في صلاتهم، هو قول الجبائي أيضا.

 وعن تفسير الميسر: قوله تعالى “لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ أمة اسم، أُمّة قائمة: طائفةٌ مستقيمة ثابتة على الحقّ. ليس أهل الكتاب متساوين: فمنهم جماعة مستقيمة على أمر الله مؤمنة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يقومون الليل مرتلين آيات القرآن الكريم، مقبلين على مناجاة الله في صلواتهم. 

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ الإسلام وخصيصة البحث عن الحقّ: بعد كلّ ذلك الذم لليهود، الذي تضمنته الآيات السابقة بسبب مواقفهم المشينة وأفعالهم الذميمة نجد القرآن كما هو شأنه دائماً يراعي جانب العدل والإنصاف، فيحترم كلّ من تنزه عن ذلك السلوك الذميم الذي سار عليه اليهود، ويعلن بصراحة أنه لا يعمم ذلك الحكم، وإنه لا يمكن النظر إلى الجميع بنظرة واحدة دون التفريق بين من أقام على تلك الفعال، وبين من غادرها وطلب الحقّ، ولهذا يقول: “لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” (آل عمران 113). أجل ليس أهل الكتاب سواء، فهناك جماعة تطيع الله وتخافه، وتؤمن به وتهابه، وتؤمن بالآخرة وتعمل لها، وتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبهذا يتورع القرآن الكريم عن إدانة العنصر اليهودي كافة، بل يركز على أفعالهم وأعمالهم وممارساتهم، ويحترم ويمدح كلّ من انفصل عن أكثريتهم الفاسدة، وخضع للحقّ والإيمان، وهذا هو أُسلوب الإسلام الذي لا يعادي أحداً على أساس اللون والعنصر، بل إنما يعاديه على أساس اعتقادي محض، ويكافحه إذا كانت أعماله لا تنطبق مع الحقّ والعدل والخير، لا غير. ثمّ إنه يستفاد من بعض الأحاديث أن الممدوحين في هذه الآية لم ينحصروا في (عبدالله بن سلام) وجماعته الذين أسلموا معه، بل شمل هذا المدح (40) من نصارى نجران و (32) من نصارى الحبشة و (8) أشخاص من أهل الروم كانوا قد أسلموا قبل ذلك، ويدل على ذلك أن الآية استخدمت لفظة (أهل الكتاب) وهو كما نعرف تعبير يعم اليهود وغيرهم.

وذكر أهل الكتاب في آيات عديدة منها “أَهْلِ الْكِتَابِ” (ال عمران 64)، و (ال عمران 65)، و (ال عمران 69)، و (ال عمران 70)، و (ال عمران 71)، و (ال عمران 72)، و (ال عمران 75)، و (ال عمران 98)، و (ال عمران 99)، و (ال عمران 110)، و (ال عمران 113)، و (ال عمران 199)، و (النساء 123)، و (النساء 153)، و (المائدة 19)، و (المائدة 59)، و (المائدة 65)، و (المائدة 68)، و (المائدة 77)، و (الأنعام 20)، (العنكبوت 46)، و (الحديد 29)، و (الحشر 2)، و (الحشر 11)، و (البينة 1)، و (البينة 6).  وذكر كتاب الله في آيات قرآنية  منها (المائدة 44)، و (الأنعام 92)، و (الأعراف 2)، و (التوبة 36). وردت اوتوا الكتاب “أُوتُوا الْكِتَابَ” (البقرة 101)، و (البقرة 144)، و (البقرة 145)، و (ال عمران 19)، و (ال عمران 30)، و (ال عمران 100)، و (البقرة 186)، و (البقرة 187)، و (النساء 47)، و (النساء 131)، و (المائدة 5)، و (المائدة 57)، و (التوبة 29)، و (الحديد 16)، و (المدثر 31)، و (البينة 4). وذكرت أوتوا نصيبا من الكتاب”أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ” (ال عمران 23)، و (النساء 44)، و (النساء 51).

*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً