الجمعة 15 . 05 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
د. فاضل حسن شريف*
بسط الله الأرض “وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا” (الشمس 6) حيث يأتي الطحو بمعنى البسط ولكن على الشكل الكروي الذي لا يشعر به الانسان، بالإضافة إلى دوران الأرض حول الشمس ضمن فضاء السماء فيحصل الصيف والشتاء، ومهدها ليسهل سكنها”أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا” (النبأ 6) وجعل لها اوتاد لتثبيتها وهي الجبال “وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا” (النبأ 7). وبعدها دحيت الأرض”وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا” (النازعات 30) حيث الدحو والطحو مصطلحان متشابهان والاختلاف أن الدحو هو تسهيل الزراعة والرعي”أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا” (النازعات 31) ويأخذ الإنسان والحيوان الطعام منها “مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ” (النازعات 33) ودوران الأرض حول نفسها وحصول الليل والنهار “وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا” (النازعات 29). لذلك وجود الليل والنهار ضمن تسلسل آيات سورة النازعات تدلل ان دحو الارض تشير الى انبساط الارض مع كرويتها وإلا لم يحصل نهار وليل لولا كروية الارض ودورانها حول نفسها امام الشمس بالاضافة الى دورانها او سباحتها في فلك حول الشمس في سورة الشمس.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عظمت بركاته “يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” ﴿ابراهيم 48﴾ الظرف متعلق بقوله: “ذو انتقام” وتخصيص انتقامه تعالى بيوم القيامة مع عمومه لجميع الأوقات والظروف إنما هو لكون اليوم أعلى مظاهر الانتقام الإلهي كما أن تخصيص بروزهم لله بذلك اليوم كذلك، وعلى هذا النسق جل الأوصاف المذكورة في كلامه تعالى ليوم القيامة كقوله: “الأمر يومئذ لله” (الانفطار 19)، وقوله: “مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ” (غافر 33)، إلى غير ذلك وقد تقدمت الإشارة إليه كرارا. والظاهر أن اللام في الأرض للعهد في الموضعين معا وكذا في السماوات والسماوات معطوفة على الأرض الأولى والمعنى تبدل هذه الأرض غير هذه الأرض وتبدل هذه السماوات غير هذه السماوات. وللمفسرين في معنى تبدل الأرض والسماوات أقوال مختلفة: فقيل: تبدل الأرض فضة والسماوات ذهبا وربما قيل إن الأرض تبدل من أرض نقية كالفضة والسماوات كذلك. وقيل: تبدل الأرض نارا والسماوات جنانا. وقيل: تبدل الأرض خبزة نقية يأكل الناس منها طول يوم القيامة. وقيل: تبدل الأرض لكل فريق مما يقتضيه حاله فتبدل لبعض المؤمنين خبزة يأكل منها ما دام في العرصات ولبعض آخر فضة وتبدل للكافر نارا. وقيل: التبديل هو أنه يزاد في الأرض وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم وتصير مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وتتغير السماوات بذهاب الشمس والقمر والنجوم وبالجملة يتغير كل من الأرض والسماوات عما هو عليه في الدنيا من الصفات والأشكال. ومنشأ اختلافهم في تفسير التبديل اختلاف الروايات الواردة في تفسير الآية مع أن الروايات لو صحت واتصلت كان اختلافها أقوى شاهد على أن ظاهرها غير مراد وأن بياناتها واقعة موقع التمثيل للتقريب. والتدبر الكافي في الآيات التي تحوم حول تبديل الأرض والسماء يفيد أن أمر التبديل أعظم مما تتصوره من بسط الجبل على السهل أوتبديل التراب فضة أوخبزا نقيا مثلا كقوله تعالى: “وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا” (الزمر 69) وقوله: “وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا” (النبأ 20)، وقوله: “وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ” (النمل 88) إن كانت الآية ناظرة إلى يوم القيامة إلى غير ذلك من الآيات. فالآيات تنبىء عن نظام غير هذا النظام الذي نعهده وشئون دون ما نتصوره فإشراق الأرض يومئذ بنور ربها غير إشراق بسيطها بنور الشمس أو الكواكب أوغيرها، وسير الجبال ينتهي عادة إلى زوالها عن مكانها وتلاشيها مثلا لا إلى كونها سرابا، وهكذا نرجو أن يوفقنا الله سبحانه لبسط الكلام في هذا المعنى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومن ايام وليالي السنة اهمية دينية يزداد فيها ثواب العبادة وحتى الحراك الاجتماعي فهنالك عيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عرفة، وليلة القدر وهي واضحة الاهتمام في القرآن الكريم والسنة. وتأتي اقل اهمية ازمان اخرى كليلة الجمعة ونصف شهر رجب ونصف شهر شعبان ويوم التروية ويوم دحو الأرض وغيرها. من ايات الله الليل والنهار فلولاهما لما دامت الحياة على عادتها كما قال الله عز وعلا “وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَة ” (الاسراء 12). قال الله جلت قدرته” وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا” (طه 130) حيث ان بعض ساعات اليوم لها خصوصية الذكر كالتسبيح والتحميد. والملائة يسبحون الليل والنهار كما قال عز وعلا”يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ” (الانبياء 20). يقول الله سبحانه وتعالى “يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ” (النور 44) عندما يقلب البزاز طول القماش فانه يديره ويرميه طولا في نفس الوقت، ونفس الشئ يقلب الله سبحانه الارض اي يديرها مع نفسها امام الشمس ليحصل الليل والنهار ويرميها في فلك لتدور حول الشمس. وهكذا تقليب القلوب في ظلام ونور على طول العمر. فنسأل الله ان يثبتنا على نور دينه.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عظمت بركاته “يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” ﴿ابراهيم 48﴾ ” يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّماواتُ ” غير السماوات، وذلك بأن تتحول الأرض إلى غبار منتشر كما في الآية 6 من سورة الواقعة: “فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا” (الواقعة 6)، أما كواكب السماء فإنها تتساقط وتتناثر كما جاء في سورة القيامة والتكوير والانفطار، “وبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ” ﴿ابراهيم 48﴾، على المكشوف لا باب ولا ثياب، ومما جاء في أرض المحشر وصفاتها: انها بيضاء قاع صفصف، لا أشجار فيها ولا جبال ولا أودية، أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم ترتكب فيها خطيئة، وتصبح السماء كالمهل أي عكر الزيت وتذهب شمسها وقمرها ونجومها، وتصير الجبال كالعهن أي الصوف المنفوش، جهنم والأسلحة الجهنمية.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عظمت بركاته “يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” ﴿ابراهيم 48﴾ ثمّ يضيف تعالى “يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسّماوات” ﴿ابراهيم 48﴾ وسوف يتجدّد كلّ شيء بعد الدمار، ويبعث الإنسان في خلق جديد وعالم جديد يختلف في كلّ شيء عن هذا العالم، في سعته، في نعيمه وعقابه وسيظهر الإنسان بكلّ وجوده لله تعالى: “وبرزوا لله الواحد القهّار” ﴿ابراهيم 48﴾. و (البروز) من مادّة (البراز) على وزن (فراز) بمعنى الفضاء والمحلّ الواسع، وغالباً ما تأتي بمعنى الظهور، لأنّ وجود الشيء في الفضاء الواسع بمعنى ظهوره، وهناك آراء مختلفة للمفسرين في معنى بروز الناس لله تعالى، الكثير يرى أنّها تعني الخروج من القبر. ويحتمل أن يكون المعنى إنكشاف بواطن وظواهر جميع الناس في يوم المحشر، كما نقرأ في الآية (16) من سورة غافر “يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء” (غافر 16) وكذلك الآية (9) من سورة الطارق “يوم تبلى السرائر” (الطارق 9) وعلى أي حال فوصفه بالقهّار دليل على تسلطه على كلّ الأشياء وسيطرته على ظاهرها وباطنها. وهنا يأتي هذا السؤال، وهو: هل أنّ شيئاً خفي على الله في هذه الدنيا لكي يظهر في الآخرة؟ أم أنّ الله لا يعلم بما في القبور ولا يعلم بأسرار الناس؟ ويتّضح الجواب من الإلتفات إلى هذه النقطة، وهي أنّ لنا ظاهراً وباطناً في هذه الدنيا، وقد يشتبه على البعض ـ بسبب علمنا المحدود أنّ الله لا يرى باطننا، ولكن سوف يظهر كلّ شيء في الآخرة ولا وجود للظاهر والباطن هناك، وبعبارة أُخرى فالظهور بالقياس إلى علمنا وليس إلى علم الله المطلق.
*كاتب من كتاب جريدة السيمر
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل