الرئيسية / مقالات / فريضة الحج في روايات أهل البيت (فمن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم) (ح 7)

فريضة الحج في روايات أهل البيت (فمن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم) (ح 7)

السبت 23 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف*
 
عن  تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز من قائل “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ” ﴿البقرة 158﴾ فقوله تعالى: “إن الصفا والمروة من شعائر الله” ﴿البقرة 158﴾ إلى قوله: “يطوف بهما” ﴿البقرة 158﴾ يشير إلى كون المكانين معلمين بعلامة الله سبحانه، يدلان بذلك عليه، ويذكرانه تعالى واختصاصهما بكونهما من الشعائر دون بقية الأشياء جميعا يدل على أن المراد بالشعائر ليست الشعائر التكوينية بل هما شعيرتان بجعله تعالى إياهما معبدين يعبد فيهما، فهما يذكران الله سبحانه، فكونهما شعيرتين يدل على أنه تعالى قد شرع فيهما عبادة متعلقة بهما، وتفريع قوله: “فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما”  إنما هو للإيذان بأصل تشريع السعي بين الصفا والمروة، لا لإفادة الندب، ولوكان المراد إفادة الندب كان الأنسب بسياق الكلام أن يمدح التطوف، لا أن ينفي ذمه، فإن حاصل المعنى أنه لما كان الصفا والمروة معبدين ومنسكين من معابد الله فلا يضركم أن تعبدوه فيهما، وهذا لسان التشريع، ولوكان المراد إفادة الندب كان الأنسب أن يفاد أن الصفا والمروة لما كانا من شعائر الله فإن الله يحب السعي بينهما وهو ظاهر والتعبير بأمثال هذا القول الذي لا يفيد وحدة الإلزام في مقام التشريع شائع في القرآن، وكقوله تعالى في الجهاد: “ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ” (الصف 11)، وفي الصوم “وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ” (البقرة 184)، وفي القصر “فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ” (النساء 101). قوله تعالى: “ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم” ﴿البقرة 158﴾، إن كان معطوفا على مدخول فاء التفريع في قوله تعالى: “فمن حج البيت أو اعتمر” ﴿البقرة 158﴾، كان كالتعليل لتشريع التطوف بمعنى آخر أعم من العلة الخاصة التي تبين بقوله: إن الصفا والمروة، وكان المراد بالتطوع مطلق الإطاعة لا الإطاعة المندوبة، وإن كان استينافا بالعطف إلى أول الآية كان مسوقا لإفادة محبوبية التطوف في نفسه إن كان المراد بتطوع الخير هو التطوف أو مسوقا لإفادة محبوبية الحج والعمرة إن كان هما المراد بتطوع الخير هذا. والشاكر والعليم اسمان من أسماء الله الحسنى، والشكر هو مقابلة من أحسن إليه إحسان المحسن بإظهاره لسانا أو عملا كمن ينعم إليه المنعم بالمال فيجازيه بالثناء الجميل الدال على نعمته أو باستعمال المال في ما يرتضيه، ويكشف عن إنعامه، والله سبحانه وإن كان محسنا قديم الإحسان ومنه كل الإحسان لا يد لأحد عنده حتى يستوجبه الشكر إلا أنه جل ثناؤه عد الأعمال الصالحة التي هي في الحقيقة إحسانه إلى عباده إحسانا من العبد إليه، فجازاه بالشكر والإحسان وهو إحسان على إحسان قال تعالى: “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ” (الرحمن 60)، وقال تعالى: “إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا” (الإنسان: 22)، فإطلاق الشاكر عليه تعالى على حقيقة معنى الكلمة من غير مجاز.
 
عن الامام محمد الباقر عليه السلام في خطبة للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم (مَعاشِرَ النّاسِ، “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإنَّ اللهَ شاكِرٌ عَليمٌ” (البقرة 158) مَعاشِـرَ النّاسِ، حِجُّـوا الْبَيْتَ، فَما وَرَدَهُ أَهْـلُ بَيْت إلاَّ اسْتَغْنَـوْا وَأُبْشِـرُوا، وَلا تَخَلَّفُـوا عَنْهُ إلاّ بُتِـرُوا وَافْتَقَرُوا.مَعاشِرَ النّاسِ، ما وَقَفَ بِالْمَوْقِفِ مُؤْمِنٌ إلاّ غَفَرَ اللهُ لَهُ ما سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ إلى وَقْتِهِ ذلِكَ، فَإذَا انْقَضَتْ حَجَّتُهُ اسْتَأْنَفَ عَمَلَهُ.مَعاشِرَ النّاسِ، الْحُجّاجُ مُعانُونَ وَنَفَقاتُهُمْ مُخَلَّفَةٌ عَلَيْهِمْ وَاللهُ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ.مَعاشِرَ النّاسِ، حِجُّوا الْبَيْتَ بِكَمالِ الدّينِ وَالتَّفَقُّهِ، وَلاتَنْصَرِفُوا عَنِ الْمَشاهِدِ إلاّ بِتَوْبَة وَإقْلاع).

ان ابراهيم وابنه اسماعيل وزوجته هاجر عليهم السلام لهم علاقة بمناسك الحج وأماكنه كالبيت الحرام ومقام ابراهيم وحجر إسماعيل والصفا والمروة ومنى وعرفات والمزدلفة ورمي الجمرات وبئر زمزم بالاضافة الى الأضحية والعيد وغيرها. فالصلاة خلف مقام إبراهيم هو تقدير لابراهيم عليه السلام لبناء بيت الله والسعي سبعة اشواط تقديرا لهاجر التي اتمت هذه الاشواط وهكذا.

جاء في الصفحة الاسلامية لوكالة انباء براثا عن اشارات الشهيد السيد محمد باقر الحكيم عن القرآن الكريم من سورة البقرة (الحلقة الثالثة) للدكتور فاضل حسن شريف: بين شهيد المحراب السيد الحكيم ما ورد في القرآن الكريم من التأكيد للسعي بين الصفا و المروة، و أنه من شعائر اللّه كما في قوله تعالى “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ” (البقرة 158). و يذكر تاريخياً وجود ارتباط بين هذا السعي و سعي هاجر أم إسماعيل لإنقاذ ولدها من العطش، الذي انتهى بعد ذلك إلى حصولها على ماء زمزم. فقد روى الكليني بسند معتبر عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام قال: إن إبراهيم عليه السلام لما خلف اسماعيل بمكة عطش الصبيّ، فكان فيما بين الصفا و المروة شجر فخرجت أمه حتى قامت على الصّفا فقالت: هل بالبوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد، فمضت حتى انتهت إلى المروة فقالت هل بالبوادي من أنيس؟ فلم تجب، ثم رجعت إلى الصفا و قالت ذلك حتى صنعت ذلك سبعاً، فأجرى اللّه ذلك سنّة.  وحول الخرافات قبل الإسلام قال آية الله السيد محمد باقر الحكيم: كانت الأساطير والخرافات شائعةً بين العرب، نظراً لانخفاض مستواهم الفكري وأُمّيتهم بصورة عامّة، فكانوا يعتقدون مثلاً أنّ نفس الإنسان طائرٌ ينبسطُ في جسم الإنسان، فإذا ما مات أو قُتل يكبر هذا الطائر حتّى يصيرَ في حجم طائر البُوم، ويبقى أبداً يصرخ ويتوحّش ويسكن في الديار المعطّلة والمقابر، ويسمّونه الهام. كما كانوا يعتقدون بـ الغِيلان ويؤمنون بأساطيرها، ويزعمون أنّ الغول يتغوّل لهم في الخلَوات، ويظهر لخواصّهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها وربّما ضيّفوها، وكانت لهم أبياتٌ من الرَّجَز يتناقلون حفظَها، ويعتقدون أنّ فائدتها هي طرد الغيلان إذا اعترضتهم في طريقهم وأسفارهم، إلى غير ذلك من العقائد الخرافية التي كانوا يؤمنون بها. وقد جاء القرآن الكريم برسالة الإسلام، فحارب تلك العقائد والخرافات، ومحا تلك الأوهام عن طريق تنوير عقول العرب والدعوة إلى التفكير الأصيل، والتدبّر والاعتماد على العقل، والمطالبة برفض التقليد، وعدم الجمود على تراث السلف، بدون تمحيص أو تحقيق، قال الله تعالى “إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” (البقرة 170). وقد أدّت هذه الدعوة من القرآن الكريم إلى تعريض كلّ الأفكار السابقة والموروثة إلى الامتحان من جديد في ضوء المنطق، والعقل، وعلى هُدى الإسلام، فأسفر ذلك عن اضمحلال تلك الخرافات، وزوال تلك العقائد الجاهليّة، وتحرُّر العقول من قيودها، وانطلاقها في طريق التفكير السليم.  ان النظرية الاقتصادية الاسلامية عند السيد الحكيم تبحث عن المال والتملك بوصفهما نزعة فطرية لدى الإنسان، وكان الإسلام حريصاً على أن يحرر هذه النزعة ولكن ضمن إطار أخلاقي اقتصادي متكامل، واستعمالها من خلال المعادلة الأخروية التي جسدها قوله تعالى في سورة “لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (البقرة 177).

*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً