الرئيسية / مقالات / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الأحد 24 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال

في بعض أماكن العمل، لا يشعر الإنسان أنه يدخل إلى مؤسسةٍ مهنية بقدر ما يشعر أنه يهبط إلى مستنقعٍ مليءٍ بالتماسيح، حيث لا يُعرف الخطر من أي جهة سيأتي، ولا أي كلمة قد تُستخدم لاحقًا كسلاحٍ ضده.
بيئاتٌ يختلط فيها النفاق بالمجاملات، وسوء الظن بالرقابة المستمرة، والغيرة بمحاولات إطفاء أي شعلة نجاح قد تلوح في الأفق. هناك، لا يصبح الإبداع ميزة، بل تهمة تستفز النفوس الصغيرة، فيُحارب المبدع لا لخطأ ارتكبه، بل لأنه يذكّر الآخرين بما عجزوا عنه.
العمل داخل بيئةٍ سامة يشبه السير وسط حقل ألغام؛ خطوةٌ واحدة غير محسوبة، كلمةٌ عفوية، أو نجاحٌ مفاجئ، قد يفجر موجةً من الحسد والوشايات والتأويلات المريضة. يصبح الإنسان حذرًا حتى من طيبته، مترددًا حتى في مشاركة أفكاره، لأن بعض البيئات لا تتغذى إلا على تحطيم الروح قبل الجسد.
وفي مثل هذه الأجواء، لا يُقتل الطموح دفعةً واحدة، بل يُستنزف ببطء. يبدأ الأمر بانطفاء الحماس، ثم فقدان الشغف، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة يؤدي فيها عمله بروحٍ باردة، فقط لينجو من اليوم بأقل الخسائر النفسية الممكنة. فالإبداع يحتاج إلى بيئة تشبه الهواء النقي، لا إلى غرفٍ مكتظة بالدخان والسموم المعنوية.
لكن الإنسان الواعي يستطيع، رغم كل ذلك، أن يتحول من ضحية لهذه البيئة إلى شخصٍ محصّن ضدها. ليس عبر الانخراط في ذات الأساليب الملوثة، بل عبر بناء مسافةٍ نفسية آمنة بينه وبين هذا الخراب اليومي. أن يدرك أن السُمّ لا يصبح قاتلًا ما لم يسمح له بالدخول إلى داخله. وأن أكثر ما يزعج أصحاب النفوس المريضة هو إنسانٌ ناجح لا يشبههم، وهادئ رغم كل محاولاتهم لاستفزازه.
التعايش مع البيئة السامة لا يعني التطبع بها، بل فهمها دون الانكسار أمامها. أن يتعلم الإنسان متى يتكلم، ومتى يصمت، ولمن يمنح ثقته، وكيف يحافظ على قلبه من التحول إلى نسخة أخرى من هذا القبح المنتشر حوله. فبعض المعارك لا يُنتصر فيها بالصوت العالي، بل بالثبات، والنضج، وحماية الذات من التآكل الداخلي.
وفي الختام وقبل السلام ، تبقى البيئات السامة عاجزة عن هزيمة الإنسان الذي يعرف قيمته جيدًا. قد تؤخره، تتعبه، وتسرق شيئًا من راحته، لكنها لا تستطيع أن تنتزع موهبته أو تطفئ نوره ما دام متمسكًا بنفسه، مؤمنًا بأن الطين مهما ارتفع حول زهرةٍ ما، لن يمنعها يومًا من التفتح.

سكرتير التحرير 
بغداد /24.  05. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً