الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / تقرير اخباري / الإغلاق المتزامن لمضيقي هرمز وباب المندب.. كابوس جيوسياسي يهدد الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي

تقرير اخباري / الإغلاق المتزامن لمضيقي هرمز وباب المندب.. كابوس جيوسياسي يهدد الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي

الثلاثاء 21 . 07 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

شكّلت عقيدة الهيمنة البحرية الركيزة الأساسية لصعود الولايات المتحدة إلى قمة النفوذ العالمي، غير أن كثيراً من المراقبين يرون أن هذه الإستراتيجية نفسها قد تتحول اليوم إلى أحد أبرز عوامل تراجع الهيمنة الأميركية.

وكالة مهر للأنباء: شكّلت عقيدة الهيمنة البحرية أول التحركات الإمبراطورية في العقيدة الأميركية، التي خرجت من حدودها لترتقي عرش الهيمنة العالمية على أنقاض الإمبراطورية البريطانية، التي وقعت في فخ تاريخي مع حركات التحرر الوطني، وأخطأت في حساباتها خطأ يماثل الخطأ الأميركي الراهن. ويبدو أن هذه الإستراتيجية البحرية هي التي ستقود إلى نهاية الحلم الأميركي.

فقد شكّل إغلاق إيران لمضيق هرمز فجيعة إستراتيجية لأميركا، التي لم تكن تتصور جرأة إيران أو قدرتها على الإقدام على هذه الخطوة، والأهم الاحتفاظ بها والإصرار على امتلاك ورقتها. وهو ما ورّط أميركا في حلقة مفرغة من الحماقات، وفي مزيد من العدوان العبثي، بما يهدد جديًا بتفاقم الأزمة واستخدام ورقة أخرى هي مضيق باب المندب. وهذا ما يشكل كارثة إستراتيجية كبرى، وصفها بعض الإستراتيجيين بـ”الإغلاق المزدوج الكارثي”، الذي يُعد بمنزلة سيناريو من سيناريوهات الحرب العالمية الثالثة.

وهنا نناقش، باختصار، سؤالًا لم يعد افتراضيًا، بل أصبح واقعيًا، بل محتملًا بين لحظة وأخرى وفي عداد الأحداث المرتقبة، وهو: “ماذا لو أُغلق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز؟”.

وتتطلب الإجابة عن هذا السؤال مناقشة مختصرة لعدة عناوين توضح جانبًا من كارثية هذا السيناريو:

تداعيات إغلاق باب المندب إلى جانب هرمز

لا شك في أن العدو الأميركي قد جُن جنونه بسبب تحكم إيران في مضيق هرمز، لأنه أهم ممر مائي لنقل الطاقة في العالم؛ إذ تعبره يوميًا ناقلات تحمل نحو 20 مليون برميل من النفط، وهو ما يعادل تقريبًا 20 في المئة من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال.

وعندما يُضاف إلى ذلك شبح إغلاق مضيق باب المندب، فإننا نتجه إلى صدمة فعلية، إذ يمثل باب المندب أحد أهم الممرات المائية في تجارة النفط، وهو، إلى جانب ذلك، يُعد العمود الفقري للتجارة العالمية، إذ تمر عبره 7 في المئة من هذه التجارة، ونحو 21 ألف قطعة بحرية.

وعندما يُغلق باب المندب إلى جانب هرمز، نكون إزاء تعطيل 12 في المئة أخرى من عمليات نقل النفط العالمي. وعلاوة على ذلك، يمر عبر مضيق باب المندب 8 في المئة من الشحنات العالمية للغاز الطبيعي المسال.

وبالتالي، فإن إغلاق المضيقين معًا يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مزدوجة ومركبة، إذ لا تقتصر الأزمة على صدمة شحن مضافة إلى صدمة طاقة فحسب، بل يفاقم كل منهما أثر الآخر، فيرفعان أسعار الوقود والشحن والتأمين وكلفة التسليم في الوقت نفسه. وهنا تتحول تداعيات الحرب إلى تضخم، واضطراب صناعي، وركود تضخمي.

وباختصار، نحن إزاء صدمة طاقة عالمية بخروج نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا من الخليج الفارسي، وإغلاق منافذ عبور الغاز الطبيعي المسال، ما سيؤدي إلى ارتفاع قياسي وتاريخي في أسعار النفط والغاز، وأزمة غذاء وتضخم بسبب عرقلة خطوط إمداد الأسمدة الزراعية العالمية والسلع الاستهلاكية الحيوية، ما يُدخل الدول في مرحلة مزدوجة تجمع بين الركود الاقتصادي والتضخم المفرط.

الآثار الكارثية على الاقتصاد

سيكون للإغلاق المزدوج تداعيات عالمية، لكن الصدمة ستتركز جغرافيًا في الخليج الفارسي، حيث تواجه دوله وضعًا يشبه الحصار البحري. فهي دول مصدرة للطاقة، لكنها تعتمد بشدة أيضًا على الواردات في الغذاء والأدوية والسلع الصناعية. ومع تعطل هرمز شرقًا وانسداد باب المندب غربًا، يتعرض نموذجها القائم على التصدير والاستيراد معًا للضغط في وقت واحد.

وقد بدأت المملكة العربية السعودية استخدام باب المندب كنقطة عبور لتصدير النفط السعودي من ميناء ينبع. وبالتالي، فإن إغلاق باب المندب يقطع الطريق على المتنفس السعودي الذي حاولت المملكة من خلاله تعويض خسائرها في هرمز، كما ستعاني الأسواق الأوروبية بصورة مماثلة لمعاناة الأسواق الآسيوية، التي تعتمد أساسًا على مضيق هرمز.

الآثار الكارثية على الولايات المتحدة الأميركية

رغم تظاهر أميركا بأنها غير معنية بتداعيات إغلاق مضيق هرمز، ومحاولاتها ابتزاز الصين وأوروبا للتدخل في الأزمة بصفتهما أكبر المتضررين، ومحاولتها ابتزاز دول الخليج الفارسي لدفع تكاليف الحرب باعتبار أميركا حامية لمصالحها وتتصدى لإنقاذ تجارتها، فإن واقع الحال يقول إن أميركا من أكبر المتضررين، رغم طفرة إنتاج النفط فيها ونهبها نفط فنزويلا.

والسبب أن أميركا لا تستطيع عزل اقتصادها عن ارتفاع أسعار الطاقة، لأن النفط يُسعّر في سوق عالمية واحدة تقريبًا. وبالتالي، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على السوق الأميركية، سواء من خلال واردات النفط أو عبر تأثيره في الأسعار المحلية لمشتقات الطاقة.

ويمكن إيجاز التداعيات الكارثية على أميركا في عدة نقاط مختصرة:

أولًا: ارتفاع أسعار الوقود

ينتقل أثر ارتفاع أسعار النفط بسرعة إلى أسعار الوقود المشتق، ولا سيما البنزين والديزل ووقود الطائرات. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط تؤدي إلى ارتفاع يقارب 25 سنتًا في سعر غالون البنزين داخل السوق الأميركية، وهو ما يتسبب في زيادة كبيرة في الإنفاق الأسري، خصوصًا في الولايات التي تعتمد بشكل كبير على السيارات الخاصة في التنقل لمسافات طويلة.

ثانيًا: ارتفاع أسعار السلع الأساسية

لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على قطاعي الطاقة والنقل فقط، بل يمتد ليشمل مجموعة واسعة من السلع الأساسية التي يعتمد إنتاجها وتسويقها على الطاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتشمل هذه السلع المواد الغذائية، والمنتجات الزراعية، والملابس، والأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى المواد البلاستيكية ومشتقات البتروكيماويات.

وبالتالي، تتحول صدمة أسعار النفط إلى موجة تضخم واسعة النطاق تشمل معظم السلع والخدمات داخل الاقتصاد الأميركي.

ثالثًا: ضغوط على الاحتياطي الفيدرالي

يؤدي ارتفاع أسعار النفط الناتج عن اضطراب إمدادات الطاقة إلى إعادة تنشيط الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأميركي، وهو ما يضع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة اقتصادية معقدة تقوم على التوازن بين هدفين متعارضين: كبح التضخم من جهة، والحفاظ على مستويات النمو الاقتصادي والتوظيف من جهة أخرى.

رابعًا: التأثير في الصناعة الأميركية

تؤثر الأزمة في عدة قطاعات صناعية، أبرزها قطاع البتروكيماويات، الذي يُعد من أكثر القطاعات حساسية لأسعار النفط، نظرًا إلى اعتماده المباشر على المشتقات النفطية كمواد أولية، وهو ما يرفع كلفة إنتاج مجموعة واسعة من السلع الصناعية، مثل البلاستيك، والألياف الصناعية، ومواد التعبئة والتغليف.

كما يتأثر القطاع الزراعي بصورة غير مباشرة عبر ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة. فمع زيادة أسعار الغاز الطبيعي ومشتقاته، ترتفع كلفة إنتاج الأسمدة، وهو ما ينعكس على كلفة الزراعة وزيادة أسعار المواد الغذائية، وتراجع أرباح المزارعين، خصوصًا في حال عدم قدرتهم على تمرير كامل الزيادة إلى المستهلك النهائي بسبب المنافسة أو القيود السوقية.

ويتأثر قطاعا الطيران والنقل بصورة مباشرة، إذ يُعد الوقود أحد أهم عناصر الكلفة فيهما.

وبذلك، يمتد تأثير إغلاق المضيقين الكارثي ليشمل بنية الإنتاج الصناعي والخدماتي في الولايات المتحدة، وليس فقط أسواق الطاقة.

خامسًا: استنزاف الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأميركي

تلجأ الولايات المتحدة، في حالات الأزمات النفطية الناتجة عن اضطراب الإمدادات العالمية، إلى استخدام الاحتياطي النفطي الإستراتيجي (SPR)، باعتباره أداة قصيرة الأجل لتهدئة الأسواق وكبح الارتفاع الحاد في الأسعار.

غير أن اللجوء المكثف إلى هذا الاحتياطي يترتب عليه مجموعة من الآثار الاقتصادية والإستراتيجية المهمة، أبرزها تراجع حجم المخزون الإستراتيجي المتاح، ما يؤدي إلى تقليص هامش الأمان الطاقي. كما أن إعادة ملء هذا الاحتياطي بعد استخدامه تتم عادة في ظروف سوقية مرتفعة الأسعار، ما يجعل عملية إعادة الشراء أكثر كلفة على الخزينة العامة. وبذلك، تتحول الأداة التي استُخدمت لاحتواء الأزمة إلى عبء مالي إضافي على الموازنة الفيدرالية.

ولا تقتصر آثار إغلاق مضيق هرمز على الأبعاد الاقتصادية، بل تمتد إلى مستويات إستراتيجية وسياسية أوسع داخل الولايات المتحدة وخارجها، وقد تفرض ضغوطًا متزايدة على الإدارة الأميركية، سواء من الرأي العام أو من المؤسسات السياسية والاقتصادية.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً