الرئيسية / مقالات / إيران في مفاوضات المصير: لبنان خط أحمر ومحور المقاومة جوهر المعادلة

إيران في مفاوضات المصير: لبنان خط أحمر ومحور المقاومة جوهر المعادلة

الخميس  16 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي*

في لحظة تاريخية فارقة تتقاطع فيها خيوط الدبلوماسية مع حرائق الميدان، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مفترق طرق لا يقبل المساومة: إما أن تكتب الاتفاقيات برؤية تعترف بالسيادة المتعددة الأقطاب، أو تظل المنطقة ساحة لصراع مفتوح على كل الاحتمالات. وما يطرح اليوم على طاولة المفاوضات ليس مجرد ملف نووي أو تهدئة مؤقتة، بل اختبار لجوهر الرؤية الأمريكية-الصهيونية: هل تقبل واشنطن وحلفاءها الصهاينة بوجود إيران كفاعل مستقل يملك شبكة إقليمية من الحلفاء، أم أن هدفهما النهائي يبقى تفكيك هذه الشبكة وعزل طهران عن محيطها وتحويل محور المقاومة إلى ذكريات في أرشيف الهزائم؟ إيران تقول بوضوحٍ ثوري: لا اتفاق دون لبنان، ولا سلام دون محور المقاومة، ولا تسوية تقبل بتبديد دم الشهداء وتضحيات الأحرار.

تدخل إيران المفاوضات الحالية من موقع القوة لا الضعف، من موقع من صمد تحت أقسى العقوبات وبنى صناعاته الدفاعية بعرق أبنائه محافظا على قراره السيادي رغم كل الضغوط. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يؤكد أن (النجاح في هذا المسار يتطلب جدية وواقعية من الطرف الآخر، وتجنب أي حسابات خاطئة أو مطالب مفرطة). لكن ما تعتبره واشنطن مطالب واقعية هو في جوهره محاولة لانتزاع ما عجزت عن انتزاعه بالسلاح، وهو قبول إيران التخلي عن عمقها الاستراتيجي وتفكيك شبكة حلفائها والقبول بدولة طبيعية ضمن النظام الذي تصممه الهيمنة.

إيران قبلت مناقشة تفاصيل البرنامج النووي السلمي وأبدت مرونة في ملفات تقنية، لكنها جعلت من الصواريخ الباليستية ودعم حلفاء المقاومة خطوطا حمراء لا تقبل المساومة. ليس هذا تعنتا، بل وعيا بأن نزع هذه الأدوات يعني تجريد إيران من قدرتها على الردع وتحويلها إلى دولة مكشوفة أمام أي عدوان. كما أن المقاومة ليست ورقة ضغط تتاجر بها طهران، بل هي خيار استراتيجي وأخلاقي ينبع من قناعة راسخة بأن تحرير فلسطين ودعم المظلومين ومواجهة الاحتلال، ليست سياسة خارجية، بل هوية وواجبا تاريخيا.

وفي تطور بالغ الدلالة، أبلغت إيران الوسطاء الدوليين بوضوح لا يقبل اللبس أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع أمريكا والصهاينة يجب أن يشمل لبنان. هذا الموقف ليس تكتيكا تفاوضيا عابرا، بل تعبير عن فهم عميق لطبيعة الصراع، حزب الله ليس حليفا خارجيا لإيران، بل هو جزء عضوي من نسيج المقاومة الذي تشكل عبر عقود من النضال المشترك ضد الاحتلال والهيمنة. فحين يهاجم الصهاينة لبنان، فإنهم لا يستهدفون فصيلا مسلحا، بل يستهدفون خاصرة استراتيجية في جسد محور المقاومة محاولين إرسال رسالة مفادها، أن لا أحد في مأمن ولا أحد محمي.

تدرك إيران أن قبولها بفصل لبنان عن أي تسوية يعني منح واشنطن والإحتلال (رخصةً مفتوحة) لاستهداف الحلفاء واحدا تلو الآخر تحت ذريعة الفصل بين الجبهات، وهذا بالضبط ما رفضته طهران مؤكدة أنها لن تقبل انتهاكات الكيان الصهيوني في لبنان كما حدث بعد هدنة 2024. فالتجربة علمت أن الهدن التي لا تشمل كل الجبهات، وتترك يد العدو طليقة في مكان ما، ليست سلاما بقدر ما هي إعادة تنظيم للعدوان. من هنا، يصر البرلمان الإيراني ورئيسه محمد باقر قاليباف على أن لبنان ومحور المقاومة بأكمله جزء لا يتجزأ من أي اتفاق لوقف إطلاق النار، محذرا من أن أي انتهاكات ستواجه بردود قوية وحاسمة.

الموقف الأمريكي-الصهيوني من محور المقاومة ليس موقفا تكتيكيا، بل استراتيجيا وجوديا. فواشنطن وحلفاءها لا يخشون القوة العسكرية الإيرانية وحدها، بل يخشون النموذج الذي تمثله، نموذج دولة تقاوم الهيمنة وتبني قوتها الذاتية وتلتحم مع حلفاء يشتركون معها في الرؤية نفسها. هذا النموذج يهدم أسطورة أن الخضوع هو الخيار الوحيد ويثبت أن الشعوب التي تملك وعيها وإرادتها، لا يمكن شراؤها ولا يمكن إخافتها إلى الأبد. لذلك، ترفع واشنطن شرط (وقف أنشطة الوكلاء ونزع سلاح حزب الله) كشرط حاسم لضمان السلام والاستقرار في لبنان والمنطقة. لكن هذه اللغة الدبلوماسية يكمن وراءها تجريد المقاومة من شرعيتها، وتحويلها من حركة تحرر إلى منظمة إرهابية في السردية الدولية. الكيان الصهيوني من جهته يصر على أن هجماته على حزب الله ستستمر حتى بعد الحرب الجوية مع إيران، معتبرا أن الجبهتين غير متصلتين، وهذا الفصل المصطنع هو أداة لتبرير العدوان المستمر وعزل كل حلقة من حلقات المقاومة لتسهيل كسرها واحدة تلو الأخرى.

ما يرفضه محور المقاومة وتؤكده إيران بكل وضوح، هو منطق (فرّق تسد) الذي تمارسه الهيمنة. المقاومة ليست تحالفا مؤقتا للمصلحة، بل نسيج استراتيجي وأخلاقي يقوم على وحدة الرؤية ووحدة المصير. فحين يفتح حزب الله جبهة مع العدو الصهيوني تضامنا مع إيران، فهو لا ينفذ أوامر من طهران، بل يمارس حقه الطبيعي في الدفاع عن محور يشكل وجوده ضمانا لحرية كل أعضائه. هذا التشابك الاستراتيجي هو ما يحول الجغرافيا من نقطة ضعف إلى شبكة ردع لا يمكن اختراقها بضربة واحدة، وهو ما يجعل أي محاولة لعزل إيران عن حلفائها محكومة بالفشل، لأن المقاومة تعلمت أن البقاء للجماعة لا للفرد وأن النصر لا يأتي إلا بالوحدة. من هنا، لا تقبل إيران أي اتفاق يترك حزب الله أو أي فصيل مقاوم عرضة للعدوان، لأن ذلك يعني خيانة للدماء التي سفكت وتنازلا عن المبدأ الذي قامت عليه الثورة: لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية.

لا ينكر أحد أن خيار المواجهة والثبات له ثمن باهظ: عقوبات مشددة وعزل دبلوماسي أحيانا وحرب إعلامية ممنهجة واستهداف مباشر للقيادات والبنى التحتية. لكن إيران اختارت أن تدفع هذا الثمن لأن البديل أغلى: فقدان الهوية وضياع الإرادة وتحول الدولة إلى وكيل يدير مصالح غيره على أرضه. فالتاريخ الإقليمي الحديث علمنا درسا واحدا، أن الدول التي رضخت لمعادلة التبعية لم تنل الازدهار، بل نالت التفكيك الداخلي والاستنزاف المستمر مع فقدان القرار.

إيران اليوم لا تدفع الثمن وحدها، بل تشاركها شعوب المنطقة التي ترى في صمود طهران ضمانا لاستمرار أملها في التحرر. فحين تصمد إيران تحت الحصار، فإنها لا تدافع عن نظام فحسب، بل عن مبدأ يقول: إن الشعوب تملك حق الرفض، وحق البناء، وحق الوجود خارج إطار الهيمنة. هذا هو المعنى الحقيقي للمقاومة: ليست رد فعل عسكري، بل فعل وجودي يحول الهزيمة المحتملة إلى مناعة تاريخية.

المفاوضات الحالية ليست نهاية الصراع، بل فصل جديد منه. إيران تدخلها بعين على الميدان وقلب على المبدأ ويد ممدودة للسلام العادل، لكن بقبضة حديدية أمام من يريد السلام على حساب الكرامة. موقفها من لبنان ومحور المقاومة ليس عنادا، بل وعيا بأن التفريط في الحليف اليوم يعني التفريط في السيادة غدا. أمريكا والصهاينة قد يمتلكون أدوات الضغط، ولغات التبرير، لكنهم لا يملكون سلطة المعنى. والشعوب التي تملك ذاكرتها وإرادتها لا يمكن شراؤها وإخافتها إلى الأبد. إيران الإسلام ومحور المقاومة لم يختارا طريقا سهلا، لكنهما اختارا الطريق الذي وحده يضمن بقاء الكرامة ويحفظ الإرادة واستمرار الفعل.

في النهاية، لا تنتصر الهيمنة لأنها تملك السلاح الأحدث، بل تنكسر لأنها تفقد القدرة على إنتاج المعنى. ومن يرفض أن يمحى من التاريخ، هو من يكتبه. إيران تقول للعالم: نحن هنا، لن نتراجع ولن نتنازل عن حقنا في أن نكون وأن نقاوم وأن نبقى. ومن يملك القدرة على الصبر والبناء وحفظ المعنى، هو من يملك الكلمة الأخيرة في التاريخ … هيهات منا الذلة.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً