الرئيسية / مقالات / ترامب يبتسم للزيدي… ويشدّ الحبل حول عنق بغداد: “حكومة بلا إرهاب” أم إعادة احتلال ناعم للعراق؟

ترامب يبتسم للزيدي… ويشدّ الحبل حول عنق بغداد: “حكومة بلا إرهاب” أم إعادة احتلال ناعم للعراق؟

الخميس 01 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

في عالم السياسة الدولية، لا تُقرأ التصريحات كما تُكتب، بل كما تُراد لها أن تُفهم. وما صدر عن Donald Trump بشأن ترشيح علي فالح الزيدي لرئاسة الوزراء في العراق، لا يمكن وضعه في خانة “التهنئة البروتوكولية” البسيطة، بل يجب التعامل معه كـ بيان استراتيجي مكثّف، يحمل في طياته إشارات ضغط، وخرائط طريق، وفخاخًا سياسية تُنصب بهدوء.
عبارة “حكومة خالية من الإرهاب” لم تأتِ من فراغ، ولم تُستخدم عشوائيًا، بل هي مفتاح قراءة كامل المشهد القادم. إنها ليست توصيفًا، بل شرطًا مسبقًا، وليس مجاملة، بل تحديد مسار إجباري.

 أولاً: تفكيك العبارة الأخطر… ماذا تعني “خالية من الإرهاب”؟
في الخطاب الأمريكي، كلمة “الإرهاب” ليست مصطلحًا قانونيًا فحسب، بل أداة سياسية مرنة يتم توسيعها أو تضييقها حسب المصالح. وعندما يستخدم ترامب هذا المصطلح في سياق العراق، فهو يوجه إصبع الاتهام بشكل غير مباشر إلى:
الفصائل المسلحة
الشخصيات السياسية الداعمة لها
أي بنية أمنية خارج السيطرة الأمريكية
بمعنى آخر، واشنطن لا تطلب من العراق محاربة “الإرهاب” كما يُفهم تقليديًا، بل تطلب إعادة تعريفه بما يتناسب مع استراتيجيتها.
وهنا تكمن الخطورة:
إذا قبلت الحكومة العراقية بهذا التعريف، فإنها تدخل تلقائيًا في صدام داخلي مع قوى تمتلك السلاح والنفوذ.
وإذا رفضت، فإنها تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ثانياً: التهنئة كأداة ضغط… كيف تتحول الكلمات إلى قيود؟
في الدبلوماسية الحديثة، لم تعد الضغوط تُمارس فقط عبر العقوبات أو التهديدات، بل عبر خطاب إيجابي مشروط. وهذا ما فعله ترامب بدقة:
قدّم دعمًا لفظيًا
ربطه بمستقبل “مزدهر”
لكنه وضع شرطًا غير قابل للتفاوض: “الخلو من الإرهاب”
هذه الصيغة تُعرف في علم العلاقات الدولية بـ “الإغراء المقيد” (Conditional Engagement)، حيث يتم تقديم الجزرة… مع إظهار العصا في الخلف.
الرسالة واضحة:
“نحن مستعدون لدعمك… بشرط أن تصبح جزءًا من مشروعنا.”

ثالثاً: دعوة واشنطن… بوابة الشروط الكبرى
دعوة الزيدي لزيارة واشنطن ليست مجرد لقاء دبلوماسي، بل هي منصة تفاوضية عالية المخاطر، حيث تُطرح الملفات التالية:
الملف الأمني:
إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يحد من نفوذ الفصائل
الملف الاقتصادي:
فتح الأسواق العراقية أمام الشركات الأمريكية
الملف السياسي:
إعادة رسم التحالفات داخل البرلمان
الملف الإقليمي:
تقليص العلاقة مع Iran
هذه ليست بنود تعاون… بل إعادة تشكيل شاملة للدولة.

 رابعاً: أمريكا… ذاكرة قصيرة أم استراتيجية طويلة؟
البعض قد يقرأ التصريح الأمريكي على أنه “بداية جديدة”، لكن التاريخ يقول عكس ذلك.
في عهد Saddam Hussein، دعمت واشنطن العراق في حربه ضد إيران، ثم انقلبت عليه لاحقًا. هذه ليست حادثة استثنائية، بل نموذج متكرر في السياسة الأمريكية:
دعم مرحلي لتحقيق توازن
استثمار العلاقة سياسيًا
ثم إعادة التقييم
وأخيرًا… الانقلاب عند تعارض المصالح
وهذا ما يجعل أي تقارب حالي محاطًا بالشكوك.

خامساً: العراق كساحة صراع… لا كدولة مستقلة
المشكلة الجوهرية ليست في تصريحات ترامب، بل في موقع العراق نفسه. فهو لم يعد لاعبًا مستقلًا بالكامل، بل أصبح:
ساحة نفوذ أمريكي
وعمقًا استراتيجيًا لإيران
وميدانًا لتصفية الحسابات الإقليمية
وهنا تكمن المأساة:
كل قرار عراقي داخلي، يُقرأ خارجيًا كجزء من صراع أكبر.

سادساً: الإطار التنسيقي… اختبار البقاء
تصريح ترامب يضع “الإطار التنسيقي” أمام خيارين لا ثالث لهما:
إعادة التموضع:
عبر تقليل الارتباط بإيران
المواجهة:
مع ما يعنيه ذلك من ضغوط أمريكية
لكن المشكلة أن الإطار بُني أساسًا على علاقات مع طهران، وبالتالي فإن أي تغيير جذري يعني تفكيك هويته السياسية.

سابعاً: الزيدي… رجل المرحلة أم ضحية المرحلة؟
الزيدي يقف الآن في قلب العاصفة. فهو ليس مجرد مرشح لرئاسة الوزراء، بل:
نقطة تقاطع بين مشروعين
وواجهة لصراع إقليمي
وأداة اختبار لإرادة الدولة العراقية
السؤال هنا ليس عن نواياه، بل عن قدرته:
هل يمتلك أدوات المناورة؟ أم سيكون مجرد واجهة لقرارات تُتخذ خارج بغداد؟

ثامناً: الفخ الأمريكي… آلية العمل
لفهم ما يحدث، يجب تفكيك “الفخ الأمريكي” كآلية سياسية:
إطلاق خطاب إيجابي
تقديم وعود بالدعم
فتح قنوات تواصل
فرض شروط تدريجية
إعادة تشكيل المشهد
هذه العملية لا تحدث بسرعة، بل بشكل تدريجي، ما يجعلها أكثر خطورة من المواجهة المباشرة.

تاسعاً: السيناريوهات المحتملة
1. الانحياز لواشنطن
دعم اقتصادي
استقرار نسوي
صدام داخلي محتمل
2. التوازن بين الطرفين
استقرار هش
ضغوط مستمرة
خطر الانهيار في أي لحظة
3. الانحياز لطهران
دعم داخلي من الفصائل
مواجهة دولية
احتمال عقوبات

عاشراً: هل هناك خيار رابع؟
نظريًا، يمكن للعراق أن يسلك طريقًا مستقلًا، لكن هذا يتطلب:
قرارًا سياسيًا موحدًا
مؤسسات قوية
إرادة سيادية حقيقية
وهي عناصر لا تزال محل جدل.

ما يجري اليوم ليس مجرد تشكيل حكومة، بل إعادة رسم لموقع العراق في الخريطة الدولية.
تصريح ترامب ليس بداية فصل جديد، بل إعلان عن مرحلة اختبار:
اختبار لقدرة العراق على الصمود
اختبار لمرونة القوى السياسية
اختبار لحدود النفوذ الإيراني
يبقى السؤال الأهم:
هل يستطيع العراق أن يكون دولة… أم سيبقى ساحة؟

 المصدر / الحدث

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً