الرئيسية / مقالات / نيتشه في مرآة دولوز: الإختلاف بوصفه طاقة للحياة الجزء الثاني: العود الأبدي والإنسان الأسمى

نيتشه في مرآة دولوز: الإختلاف بوصفه طاقة للحياة الجزء الثاني: العود الأبدي والإنسان الأسمى

السبت 02 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

 إذا كان الجزء الأول قد تتبع سؤال القيمة وإرادة القوة، فإن هذا الجزء ينفتح على أكثر مفاهيم نيتشه إثارة للدهشة والإلتباس: العود الأبدي والإنسان الأسمى، ثم العلاقة المعقدة بين نيتشه وخصمه التاريخي غير المعلن، أي الفلسفة الديالكتيكية. وهنا يصبح دولوز ليس مجرد شارح لنيتشه، بل قارئا يلتقط من نصه ما هو أبعد من المباشرة، ويحول المفاهيم الكبرى إلى أدوات لفهم الحياة بوصفها صيرورة مفتوحة لا قرارا نهائيا.

كثيرون حين يسمعون فكرة العود الأبدي، يتخيلون عودة ميكانيكية لما مضى، كما لو أن الزمن يدور في حلقة مغلقة ويعيد نفسه بلا فرق. غير أن هذا الفهم المبسط لا يقترب كثيرا من روح الفكرة. فالعود الأبدي كما يلتقطه دولوز، ليس استنساخا للماضي، بل اختبارا للحياة: هل ما نعيشه يصلح لأن يعود؟ وهل نحن قادرون على أن نحب حياتنا إلى الحد الذي نرضى أن تتكرر؟ هذه الفكرة، في عمقها، ليست زمنية فحسب، بل قيمية أيضا. إنها لا تسأل: ماذا سيتكرر؟ بل: ما الذي يستحق أن يعود؟  وهنا يتضح الفرق بين العود الأبدي بوصفه فكرة فلسفية، وبين التكرار البسيط بوصفه عادة يومية. فإذا استيقظ الإنسان كل صباح وهو يكرر العمل نفسه، والوجوه نفسها، والطرق نفسها، فقد يبدو أنه يعيش تكرارا، لكن هذا ليس العود الأبدي. العود الأبدي أعمق من ذلك: إنه لحظة تقيس فيها الحياة نفسها بقدرتها على العودة دون أن تفقد معناها.

لنتخيل، مثلا، إنسانا عاش خيبة قاسية: خسارة، أو فشل، أو انفصال. إذا سألناه: هل تريد أن تعيش هذه التجربة مرة أخرى؟ سيقول غالبا: لا. لكن السؤال النيّتشي ليس عن الرغبة النفسية المباشرة، بل عن التحول الداخلي الذي يجعل الحياة نفسها قابلة للحب، حتى حين تكون مثقلة بالألم. فالعود الأبدي، بهذا المعنى، يختبر جودة الوجود: هل أنت منسجم مع حياتك إلى درجة أنك تستطيع أن تقول لها نعم، حتى وهي تعود؟

دولوز يقرأ هذه الفكرة قراءة دقيقة: العود الأبدي لا يعيد النافي، بل يستبعده. أي أن ما هو عدمي، وما هو ارتكاسي، وما هو مثقل بالحقد والخوف والإنكار، لا يملك قوة العودة. أما ما هو خلاق ومؤسس ومؤيد للحياة، فهو وحده الذي يبقى صالحا للعودة. وهكذا يصير العود الأبدي غربالا فلسفيا: لا يكرر كل شيء، بل ينتقي ما يستحق أن يبقى حيا.

مثال يقرّب المعنى: فكر في شخص قضى سنوات طويلة يضيع يومه بين الشكوى والتمرد السلبي والحنق على العالم. لو قيل له إن هذا اليوم سيعود إلى الأبد، فسيشعر بالخنق. لكن شخصا آخر يمرّ بالألم نفسه، غير أنه يصوغه كتجربة للنضج واختبار للوعي، وكفرصة لفهم ذاته بصورة أعمق، سيكون قادرا على قبول عودة يومه لأنه لم يعد مجرد ألم خام، بل صار معنى متحولا. هنا نفهم أن العود الأبدي ليس لعبة زمنية، بل معيار وجودي: ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تتكرر؟

أما الإنسان الأسمى، فهو مفهوم آخر، كثيرا ما فهم على نحو أسطوري أو متعال، وكأنه كائن فوق بشري يعيش خارج التاريخ. لكن نيتشه لا يقصد ذلك. الإنسان الأسمى ليس مخلوقا خارقا، بل الإنسان الذي يتجاوز نفسه. وهذا هو الفارق الجوهري. الإنسان في تصور نيتشه، ليس كائنا منتهيا، بل مشروعا مفتوحا. إنه لا يقاس بما هو عليه الآن فقط، بل بما يستطيع أن يصير إليه. وهنا تظهر قوة المفهوم: الإنسان الأسمى ليس نهاية الإنسان، بل بداية إنسان يرفض أن يبقى أسير خوفه وعاداته وكسله الروحي وخضوعه لجماعة القطيع. ولكي نفهم ذلك، يمكننا أن نعود إلى الحياة اليومية.

هناك إنسان يكرر صورة نفسه القديمة: نفس اللغة، نفس الأحكام، نفس الإنفعالات، نفس المخاوف، وكأن الزمن لم يمر به. وهناك إنسان آخر، كلما مرّ بعثرة أو نجاح أو خسارة، خرج بشيء جديد: أكثر هدوءا، أكثر وعيا، أكثر قدرة على النظر من بعيد. الأول يعيش كرونولوجيا الأيام، أما الثاني فيعيش تحول الذات. هذا الثاني أقرب إلى فكرة الإنسان الأسمى، لأنه لا يعبد صورته الأولى، بل يشتغل على تجاوزها.

دولوز يلتقط هذا البعد بوصفه حركة صيرورة لا تراتبا أخلاقيا. فالإنسان الأسمى ليس أفضل من غيره بمعنى النخبوية البسيطة، بل هو من يفتح جسده وروحه وقيمه على إمكانات جديدة. ومن هنا فإن الإنسان الأسمى، عند دولوز، هو نقيض الإنسان المنغلق الذي يعتقد أن ما لديه من قيم هو النهاية. إنه الإنسان الذي يفهم أن ذاته ليست معطى، بل بناء مستمر.

أمثلة أخرى: حين يقرر كاتب أن يترك لغة متكلسة ليبحث عن أسلوب جديد، فهو لا يغير تقنية فقط، بل يغير نفسه. وحين يقرر شاب أن يخرج من الخوف المزمن من الفشل ويجرب، فهو لا ينجز خطوة حياتية فحسب، بل يعبر نحو مرتبة أخرى من الوجود.

هذه أمثلة صغيرة، لكنها تشبه ما يعنيه نيتشه بالإنسان الذي ينبغي تجاوزه: ليس لأن الإنسان سيصبح شيئا آخر بيولوجيا، بل لأنه يستطيع أن يخلق نسخة أوسع من إنسانيته.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً