الرئيسية / مقالات / مطرقة نيتشه / إعادة تقييم القيم: من الهدم إلى البناء ’3’

مطرقة نيتشه / إعادة تقييم القيم: من الهدم إلى البناء ’3’

الأحد 24 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

بعد مطرقة نيتشه التي هوت على أخلاق العبيد والضمير السيئ، يبدو لنا المشهد لأول وهلة كومة من الأنقاض: أصنام مكسّرة، قيم مشكوك فيها، وضمير كُشف تاريخه المظلم. لكن نيتشه لا يقف عند حدود التشخيص ولا يكتفي بنشوة الهدم. في العمق، كل هذا النقد لم يكن إلا تمهيدا لما يسميه: إعادة تقييم القيم؛ أي إعادة فتح دفتر القيم من جديد، لا لنعيد كتابته بعفوية، بل لنطرح السؤال الأكثر جرأة: أي القيم تستحق أن تعيش، وأيها ينبغي أن يترك للموت والزوال؟

هذا الفصل يحاول أن يبين كيف يتحول نيتشه من فيلسوف المطرقة إلى فيلسوف البناء، وكيف يلتقط دولوز هذا الجانب ليكشف عن مشروع إيجابي لا يُختزل في النفي والنقد.

لنقف عند عبارة إعادة تقييم القيم، العبارة تبدو، لأول وهلة تلتحف تكرارا لفظيا حيث القيمة هي ما قُيِّمَ أصلا. لكن نيتشه يقصد بها شيئا محددا ودقيقا، وهو إعادة النظر جذريا في الميزان الذي نقيس به الخير والشر، السامي والحقير، النبيل والوضيع.

في أخلاق العبيد، رأينا أن الميزان كان منحازا للضعف، حيث الخير هو ما يحمي من القوة، لا ما يطلقها، والفضيلة هي ما يكبح الرغبة، لا ما يوجهها، أما النبل فهو ما يساوي بين الجميع في القاع، لا ما يفسح المجال لمن يجرؤ على الصعود. وبالتالي فإن إعادة تقييم القيم، ليست مجرد مراجعة لبعض الأحكام الجزئية، بل هي انقلاب ثانٍ مضاد للانقلاب الأول الذي قامت به أخلاق العبيد. إنها محاولة لـردّ الاعتبار إلى القوة الخلّاقة بوصفها قيمة إيجابية والعودة إلى السؤال: هل هذا يزيد الحياة كثافة وثراء؟ أم ينقص منها؟ بدل سؤال: هل هذا مسموح؟.  مع استبدال معيار الامتثال بمعيار الخصوبة بالسؤال: هل هذه القيمة تُنتج إنسانا قادرا على التفوق على نفسه، أم إنسانا مسمّرا في مكانه؟ بهذا المعنى يصبح دور إعادة تقييم القيم هو نقل مركز الأخلاق من الطاعة إلى الخلق، ومن الخوف إلى القدرة، ومن الشعور بالذنب إلى الشعور بالقوة.

جزء كبير من الأخلاق التي ينتقدها نيتشه تقوم على صيغة: لا تفعل، لا تتجاوز، لا ترغب كثيرا، لا تطمح بعيدا، لا لا لا.  هي أخلاق مبنية على النفي: نفي الغريزة، نفي الجسد، نفي الرغبة، نفي العالم. وإعادة تقييم القيم عند نيتشه هي انتقال من هذه الصيغة السالبة إلى صيغة موجبة: بدلا من: لا تكن قويا، تصبح القيمة: كيف تكون قويا دون أن تحتاج إلى سحق الآخرين. وبدلا من: لا تشتهِ، تصبح القيمة: كيف تجعل رغبتك حاملة لمشروع حياة، لا مجرد استهلاك أعمى أو كبت أعمى. وبدلا من: لا تختلف، تصبح القيمة: كيف تجعل اختلافك أسلوبا في إثراء العالم، لا في تدميره.

هنا تظهر الصلة العميقة بين نيتشه ودولوز الذي يرى أن هذه النقلة من لا إلى نعم للحياة هي جوهر المشروع الإيجابي عند نيتشه. فالقيمة عندهما ليست ما يطفئ التوتر، بل ما يجيد إدارة التوتر، ليست ما يدفن الصراع، بل ما يحوّله إلى قوة خلق.

لنقرب الصورة بمثال، ولنفكر في قيمة الصدق مثلا، في الأخلاق التقليدية، قد تُختزل إلى أمر بسيط: لا تكذب. لكن في أفق إعادة تقييم القيم، يصبح السؤال أعمق: هل الصدق عندي مجرد امتثال لقاعدة، أم شجاعة على رؤية نفسي والعالم بلا تجميل؟ فالصدق بوصفه لا تكذب يمكن أن يكون خوفا من العقوبة. أما الصدق بوصفه جرأة على الحقيقة، فهو قيمة إيجابية، لأنه يتطلب قوة على مواجهة الذات، لا مجرد انضباط خارجي. وبهذا، تتحول القيم من أوامر سلبية إلى طاقات إيجابية للحياة.

حين يقرأ دولوز نيتشه، لا يرى فيه منظّرا لنخبة متعالية كما أشيع عنه، بل يرى مشروعا لفلسفة تجعل من الاختلاف مبدأً مركزيا للوجود. فإعادة تقييم القيم في هذا الأفق، تعني أن نُخرج القيم من سلطة الواحد/المركز: قيمة واحدة للجميع، نموذج واحد للحياة الطيبة. وأن نفكّر في القيم كأشكال متعددة للحياة، تتناسب مع قوى متعددة في البشر، لا كقالب واحد يُفرض على الجميع. ووفقا لهذا المنظور، لا يعود السؤال: ما هي الأخلاق الصحيحة للجميع؟ بل: أي نوع من الإنسان تنحته هذه القيمة؟ هل تنحت إنسانا متشابها مع الجميع، مندمجا في القطيع، خائفا من الاختلاف؟  أم تنحت إنسانا قادرا على أن يجد طريقه الخاص، على مسؤوليته؟

دولوز يلتقط من نيتشه أن القيمة لا تقاس بقدرتها على فرض نظام فقط، بل بقدرتها على فتح إمكان. فالقيمة الجيدة ليست التي تجعل الحياة أكثر انتظاما فحسب، بل التي تجعلها أيضا أكثر غنى وتعددا.

رأينا سابقا كيف يمكن لقيمة النجاح أن تتحول إلى صنم. في أفق إعادة تقييم القيم، يمكننا أن نسأل: هل النجاح هو فقط الحصول على اعتراف الجماعة، وعلى مقعد في الصف الأول، وعلى سيرة ذاتية ممتلئة؟ أم أن النجاح هو قدرة الإنسان على أن يعيش وفقا لأعمق ما فيه، حتى لو خسر بعض التصفيق؟

وفقا لمنطق أخلاق العبيد، النجاح هو ما يقره السوق أو الجماعة. أما في أفق نيتشه/دولوز، فالنجاح الحقيقي هو ما ينسجم مع قوة الحياة الخاصة بك، حتى لو بدوت غريبا في نظر المعايير السائدة.

رغم كل ما سبق، نيتشه لا يقدم دستورا جديدا للأخلاق. ولا توجد عنده قائمة جاهزة: افعل هذا، ولا تفعل ذاك. فإعادة تقييم القيم ليست منتوجا نهائيا، بل هي وظيفة مستمرة؛ هي اشتغال الإنسان على نفسه، وفي ثقافته، كي يزن من جديد ما اعتبره طويلا، مسلَّمات وبديهيات. وهذا يعني أن كل فرد مدعو لأن يسأل بجدية عن القيم المتوارثة والتي يؤمن الجميع بها، لا لأننا اختبرناها؟  وعن القيم التي تخنق فينا شيئا حيا، مع أن الجميع يسميها فضيلة؟  وعن القيم التي تبدو خطرة أو مقلقة قد تحمل في طياتها إمكانية تحرّر حقيقية؟ وكل ثقافة مدعوة لأن تواجه نفسها: هل أخلاقها تنتج بشرا أحياء أم روبوتات؟ هل خطابها عن الفضيلة يقوّي الناس أم يكسرهم من الداخل؟ هل تمجيدها للاستقرار هو خوف من أيّ تغيير، أم حرص على شروط أعمق للحياة المشتركة؟

إن إعادة تقييم القيم بهذا المعنى، ليست ترفا فلسفيا، بل هي مسؤولية الوعي حين يرفض أن يعيش على حساب الحياة.

بعد كل هذا الهدم والتشييد، ما الذي يبقى من مشروع نيتشه، كما يراه دولوز؟

سيبقى أن الأخلاق ليست سماوية معطاة مرة واحدة، بل هي صيرورة تاريخية يمكن مساءلتها، ونقدها، وإعادة بنائها. وأن الإنسان لا يُختزل إلى كائن مذنب يجب أن يعتذر عن وجوده، بل هو قوة قادرة على إعادة خلق ذاتها، إذا تخلّص من الأخلاق التي تحوّله إلى سجين داخلي. ويبقى أن الفلسفة في هذا الأفق، ليست حارسة لمعبد القيم القديمة، بل هي ورشة مفتوحة لتجريب قيم جديدة؛ قيم تقاس لا بمدى طاعتها للسائد، بل بمدى ما تضيفه من حياة. هنا تنقلب صورة نيتشه من مجرّد هادم إلى مهندس صعب، لا يؤسس نظاما مغلقا، بل يفتح أفقًا؛ ولا يعطي وصفة، بل يعطي شجاعة السؤال، ولا يمنحنا أخلاقا جديدة جاهزة، بل يمنحنا الجرأة على أن نسأل كل مرة: هل ما نسمّيه اليوم خيرا ما يزال صالحا لأن يكون كذلك، أم أنه أصبح، في عمق تجربتنا، عائقا أمام خيرٍ أبعد مدى وأكثر حياة؟

بهذه الروح، تواصل مطرقة نيتشه وظيفتها، لكن على نحو جديد: لم تعد فقط تهدم الأصنام، بل تطرق المكون الساخن للقيم الجديدة، كي تشكل منها أسلحة للحياة لا قيودا عليها.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً