السبت 06 . 06 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
كلما تقدم الإنسان بالعمر، لا يتغير شكله وحده، بل تتغير علاقته بالوقت أيضاً.
في البدايات كنا نعتقد أن الأيام طويلة، وأن لدينا متسعاً لكل شيء؛ للخصام، للنقاشات العقيمة، للسهرات التي لا معنى لها، وللانتظار الطويل في طوابير الحياة. لكن شيئاً ما يحدث بصمت مع مرور السنوات، يجعل الإنسان أكثر حرصاً على وقته، وأكثر حساسية تجاه ما يستهلك روحه دون جدوى.
كلما كبرنا، بدأ مفهوم الوقت يتقلص داخلنا
لم يعد اليوم يتسع لكل تلك التفاصيل الصغيرة التي كنا نمنحها اهتماماً مبالغاً به. لم تعد لدينا رفاهية الدخول في معارك إثبات الرأي، أو مناقشات تنتهي كما بدأت، أو مجادلات تستنزف الأعصاب ولا تغيّر شيئاً. يصبح السلام النفسي أغلى من الانتصار في أي نقاش، وتصبح الراحة الداخلية أكثر قيمة من كسب موقف عابر.
ولهذا نلاحظ أن الإنسان في هذه المرحلة قد يدفع المال بسخاء مقابل اختصار الانتظار.
يحجز تذكرة أسرع، يختار الطريق الأقصر، يطلب الخدمة الأسرع، لا لأنه مدلل أو مترف، بل لأنه ببساطة لم يعد يملك طول البال ذاته. فالسنوات تعلّمه أن العمر ليس مفتوحاً كما كنا نظن، وأن أكثر ما يرهق الإنسان ليس التعب الجسدي، بل الاستنزاف النفسي اليومي.
ومع الوقت تصبح النفس أكثر تقلباً أيضاً
تتعب بسرعة، تنزعج من الضوضاء، وتفقد قدرتها على مجاملة كل شيء. لذلك يبدأ الإنسان بالبحث عمّن يخفف عنه ثقل الأيام، لا عمّن يزيدها تعقيداً. يبحث عن الأشخاص الذين يهدونه ضحكة صافية، جلسة هادئة، أو كلمة مطمئنة، لأن الحياة تصبح أثقل من أن تُعاش وسط النكد الدائم.
حتى نشرات الأخبار لم تعد تثير اهتمامه كما السابق
فبعد سنوات طويلة من متابعة الحروب والأزمات والمشاكل والصراعات، يبدأ يشعر أن الأخبار تحولت إلى مصدر يومي للطاقة السلبية. فيختار الابتعاد عنها أحياناً، لا جهلاً بما يحدث، بل حفاظاً على ما تبقى من سلامه الداخلي. يصبح الإنسان في هذه المرحلة باحثاً عن الإيجابية بأي شكل؛ في كتاب، في أغنية، في جلسة بسيطة، أو حتى في سفر إلى بلد بعيد يمنحه شعوراً مؤقتاً بالخفة والهدوء.
ولهذا نرى كثيرين يسافرون ليس هرباً من أوطانهم، بل هرباً من الضغوط المتراكمة داخل أرواحهم.
يسافرون بحثاً عن نسخة أخف من الحياة، عن صباح لا يبدأ بالأخبار الثقيلة، وعن أيام تمرّ ببطء جميل لا يشبه الركض المستمر الذي اعتادوه.
ومع التقدم بالعمر يدرك الإنسان حقيقة مهمة جداً:
أن الحياة ليست بعدد السنوات التي نعيشها، بل بعدد اللحظات التي نشعر فيها بالطمأنينة. وأن النضج الحقيقي لا يعني أن نكسب المزيد من المعارك، بل أن نتعلم أي المعارك لا تستحق أن نخوضها أساساً.
في الختام وقبل السلام ، نحن لا نخاف من التقدم بالعمر بقدر ما نخاف من أن يضيع ما تبقى من أعمارنا في أشياء لا تشبه أرواحنا، ولا تضيف لقلوبنا سوى المزيد من التعب.
*سكرتير التحرير
بغداد /06. 06. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل