الرئيسية / مقالات / لماذا نكتب ؟

لماذا نكتب ؟

الثلاثاء 07 . 07 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

ثمة سوء فهم قديم يرافق فعل الكتابة منذ أن أمسك الإنسان بقلمه الأول: أننا نكتب لأننا نعرف. نجلس إلى الورقة كما يجلس المحاسب إلى دفتره، ننقل ما استقر في الذهن، ونظن أن اليد لا تفعل شيئاً سوى النسخ الأمين لما فكّر فيه العقل من قبل. لكن من جرّب الكتابة حقاً يعرف أن هذا وهم مريح، لا أكثر. فالجملة الأولى ناذراً ما تشبه الفكرة التي انطلقنا منها، والفقرة الثالثة غالباً ما تكشف لنا أننا كنا نجهل ما نعرفه، وأن ما ظنناه يقيناً كان مجرد شعور غامض ينتظر من يمنحه شكلاً واضحا.
نحن لا نكتب لنؤرشف أفكاراً جاهزة، بل لنولّد أفكاراً لم تكن لتوجد لولا فعل الكتابة نفسه، فالكتابة ليست وعاءً ننقل إليه ماءً محفوظاً في مكان آخر؛ إنها المضخة التي تستخرج الماء من طبقة لم نكن نعرف بوجودها.

مونتين، الذي منح الغرب كلمة “essai” أي “محاولة”، لم يكن يكتب مقالاته ليعرض حكمة مكتملة اكتسبها من قبل. كان يجرّب أفكاره على الورق كما يجرّب الكيميائي مادته في أنبوب الإختبار: يخلط، يراقب، يتراجع، يناقض نفسه من فقرة إلى أخرى دون خجل، أو يفجر المختبر. اسم الكتابة عنده كان دقيقاً في تواضعه: محاولة، وليس نتيجة. وهذا بالضبط ما يجعل “مقالاته” حية بعد قرون: نقرأ فيها عقلاً يفكر أمامنا لا عقلاً يلقي علينا محاضرة عمّا استقر عنده سلفاً.
على الجهة المقابلة من الخريطة، وجد أبو حيان التوحيدي، ذلك الكاتب القلق الذي أحرق كتبه في أواخر حياته احتجاجاً على زمن لم يقدّره، في الكتابة متنفساً لا تدويناً. كتابه “الإمتاع والمؤانسة” ليس تلخيصاً لحوارات جرت وانتهت، بل إعادة صياغة لها بأثر رجعي، يكتشف فيها التوحيدي طبقات من المعنى لم تكن حاضرة في لحظة الحوار الشفهي نفسه. الكلام يطير، كما يقال، والكتابة وحدها من تمنحه فرصة أن يعيد التفكير في نفسه.

كافكا لم يكن يدوّن يومياته ليؤرخ لحياته، فحياته الخارجية كانت شبه خالية من الأحداث: مكتب تأمين، غرفة في منزل الأب، خطوبات لم تكتمل. لكن دفاتره تعجّ بحركة داخلية هائلة، وكأن الرجل الهادئ في الظاهر كان يخوض في كتاباته حروباً لا تنتهي. حين كتب لصديق طفولته أوسكار بولاك عام 1904 أن الكتاب الجدير بالقراءة ينبغي أن يكون بمثابة فأس يهشم الجليد المتجمد بداخلنا، لم يكن يتحدث عن الكتب التي نقرأها فحسب، بل عن تلك التي نكتبها أيضاً. فأسه الخاص كان دفتر يومياته، وبه كان يكسر جليداً داخلياً كان سيبقى صلباً بلا فعل الكتابة، غير مرئي حتى لصاحبه.
تقمّص فرناندو بيسوا، الشاعر البرتغالي عشرات الأسماء المستعارة وكتب بها كأنها كتّاب مستقلون بذواتهم، قدّم أقصى مثال على أن الكتابة لا تسجّل ذاتاً واحدة، بل تُنتج ذوات متعددة لم تكن موجودة قبل أن يمسك القلم. ألبرتو كاييرو وريكاردو رييس وألفارو دي كامبوس لم يكونوا أقنعة يخفي بيسوا وراءها فكراً واحداً مسبقاً، بل كانوا اتجاهات فكرية تولّدت من فعل الكتابة ذاته، كل واحد منهم يفكر بطريقة يستحيل أن تفكر بها الذات الأصلية لو بقيت صامتة.
الكاتبة الأمريكية جوان ديديون قالت في مقال لها، إنها تكتب أساساً لتكتشف ما تفكر فيه فعلاً، لا لتنقل فكراً محسوماً سلفاً. وفرجينيا وولف، في تأملاتها عن الكتابة والاستقلال، لم تكن تصف الكتابة كنشاط يعبّر عن عقل نسائي مكتمل النضج، بل كعملية تحتاج مساحة خاصة بها وزمناً خاصاً بها، لأن الكتابة نفسها هي التي تصنع ذلك العقل شيئاً فشيئاً وهي تتقدم في نحت الصفحات، لا أن تعرض عقلاً كان مكتملاً قبل أن تبدأ.
وحين نعود إلى تراثنا، نجد محمود درويش مثلا، يصف الكتابة كشرط وجودي: أن يكتب المرء ليتأكد أن له صوتاً في عالم يحاول محوه. القصيدة عند درويش لم تكن تدويناً لهوية موجودة سلفاً بمعزل عن اللغة، بل كانت الهوية نفسها في طور التشكل، كل بيت شعري يعيد رسم حدود “الأنا” الجماعية والفردية معاً.

الفكرة التي لا تكتمل إلا بالمداد

ما يجمع هذه التجارب المتباعدة زمنًا ومكاناً هو إدراك مشترك: أن التفكير الصامت، ذلك الذي يدور في الرأس دون أن يُصاغ بكلمات مكتوبة، يبقى ضبابياً، هشاً، قابلاً للتبخر في اللحظة التالية. الفكرة التي لا تُكتب أشبه بحلم استيقظنا منه للتو: نحس بوضوحه وهو حاضر، ثم نراه يتسرب من بين أصابعنا بمجرد أن نحاول الإمساك به. الكتابة وحدها تمنح الفكرة جسداً يقاوم هذا التبخر، لكنها في سبيل ذلك تغيّرها، تُكرهها على اتخاذ شكل لم يكن مقدَّراً لها سلفاً، وأحياناً تكشف عن أفكار مجاورة لم يكن أحد يعلم بوجودها قبل أن تُستدعى الفكرة الأولى إلى الورقة.
لهذا نكتب. لا لأننا نعرف، بل لكي نعرف. لا لنحفظ ما امتلكناه، بل لنكتشف ما كنا نجهل أننا نمتلكه أصلاً. وكل من جرّب الجلوس أمام صفحة بيضاء بفكرة واحدة صغيرة، ثم وجد نفسه بعد ساعة أمام أفكار لم يكن يتوقعها، يعرف أن اليد حين تكتب لا تنقل صوت العقل فحسب، بل تصنع له أصواتاً جديدة لم تكن لتُسمع أبداً لولا حركة القلم على الورق.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً